يعاني اللبناني على مدار السنة من الوضع الاقتصادي السيىء، إلاّ أنّ لشهر أيلول طعمٌاً مختلفاً. فهو ممزوج بالمعاناة والعوز والضيقة والقلّة عند معظم الأُسر اللبنانية. إنّه شهر المدارس الذي لا بدّ للأهل أن يأمّنوا فيه دفعة الأقساط الأولى بالإضافة إلى الكتب، وطبعًا كما في كلّ شهر المأكل وقسط المنزل، والسيارة، والكهرباء، والماء...

«شو أنا قاعد على بنك»، جملة قالها «زياد»، الأب لولديْن، بحسرة، بعدما نزلت فوق رأسه الأقساط من كلّ حدبٍ وصوب.


«أيلول» الأصعب

ويتحدّث «زياد»، إلى موقع «الديار» الإلكتروني، مؤكدًا أنّ شهر أيلول هو الأصعب بالنسبة إليه وإلى زوجته، فهو بحاجة إلى ما يقارب الـ3 ملايين ليرة من أجل المدرسة لولديْه، ما بين دفعة أولى للقسط والكتب، والزيّ المدرسي. ويتابع: «من ثمّ تأتي مستلزمات المنزل اليوميّة، فنحتاج بالشهر أقلّه 600 ألف ليرة كحدّ أدنى للمأكل، وبعدها قسط المنزل ما تكلفته 500 دولار أميركي في الشهر، وطبعًا الماء والكهرباء والهاتف والإنترنت بمعدّل 200 ألف ليرة شهريًّا، وطبعًا هنا لا نتحدّث عن الحاجة لزيارة الطبيب أو شراء الأدوية، وإن استغنينا عن شراء الملابس الجديدة، وقرّرنا ألا نخرج في أي نزهة مع العائلة، وطبعًا ثمن التنقل مع ارتفاع أسعار البنزين الذي قد يصل إلى أكثر من 300 ألف ليرة».

إذًا، وفي معادلةٍ حسابيّة بسيطة، 5 ملايين ليرة يحتاجها «زياد» مثله مثل أي ربّ أسرة يعيش في لبنان، لكي يتخطّى شهر أيلول، مع العلم أنّ راتب «زياد» هو 1200$ شهريًّا، فكيف يُكمل الشهر، الجواب طبعًا بالدين، فتتراكم عليه الديون شهرًا بعد شهر لترجع السلسلة نفسها تتكرّر شهريًا وسنويا ليغرق أكثر فأكثر..

ولربّما راتب «زياد» يُعتبر مقبولاً جدًا مقارنةً بغيره من الأشخاص الذين لا يتخطّى راتبهم المليون ليرة. وفي النهاية يقولون إنّ اللبناني بطبعه «النق». عذرًا، لا وألف لا، فهذا ليس «نقّ» بل معاناة يوميّة وحقيقة مرّة يعيشها أغلب اللبنانيين في هذا البلد الذي لا يؤمّن لهم شيئًا سوى المزيد من الأسعار المرتفعة والغرق في الديون..


 4.75 زيادة في الأسعار 

وبالحديث عن ارتفاع الأسعار، فقد سُجّل بحسب تقرير لجمعية المستهلك ارتفاع في الأسعار بنسبة 4.75 في المئة خلال الفصل الثاني من العام 2018 بالمقارنة مع الفصل الثاني من العام الماضي. وفي هذا السياق، ارتفعت مثلاً أسعار الفاكهة 6%، والألبان والأجبان 3%، والمعلبات والحبوب 5% والمحروقات 22%. هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار اللحوم ليصبح معدّلها تقريبًا 22000 ليرة، والزيوت 8000 ليرة، وسعر المازوت 20000 ليرة، والبنزين 28700 ليرة، أمّا قارورة الغاز فسعرها ما يقارب الـ16000 ألف ليرة.

من جهته، كشف التقرير الصادر عن بنك «عودة» عن الفترة الممتدة من 27 آب إلى 12 ايلول ان لبنان شهد خلال عام 2018 ارتفاعاً في التضخم إلى أعلى المستويات في خمس سنوات، على الرغم من أن معدل التضخم لا يزال في خانة واحدة.


«أُعطيت السلسلة من هنا وزادت الضرائب هناك» 

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي جهاد الحكيّم، في حديث إلى «الديار»، أنّ أهمّ الأسباب لزيادة الأسعار هو «زيادة الضرائب في الوقت الخطأ أي وسط الركود الاقتصادي، هذا بالإضافة إلى إعطاء شريحة من المواطنين زيادة على الراتب، من خلال سلسلة الرتب والرواتب الأمر الذي تسبب بارتفاع الأسعار، فعندما نضخ سيولة بشكل مفاجئ في السوق هذا الأمر يعكس زيادة في الأسعار».

ويشرح الحكيّم، في هذا الإطار، أن «إعطاء السلسلة بدأ ينعكس اليوم، كمعدل سنوي، من خلال زيادة الاسعار، فأعطينا السلسة، من جهة، ومن جهةٍ أخرى زدنا الضرائب المباشرة وغير المباشرة». وأكمل: «التجار استفادوا من هذا الموضوع بغياب ضوابط معينة ومراقبات، فلا ضوابط على الأسعار ولا شفافية، هذا ناهيك عن قصّة الاحتكار، فحتى لو أُلغيت الوكالات الحصرية في لبنان، فهناك منتجات محصورة بأشخاصٍ معيّنين يديرون اللعبة ويسيطرون على السوق».

ويعزو الحكيّم أسباب زيادة الأسعار أيضًا إلى «ارتفاع عدد سكّان لبنان، حيث وصل العدد إلى ما يقارب الـ7 ملايين نسمة بين لبنانيين ونازحين، ما تعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي، وبالتالي ارتفاعًا في الأسعار». ويضيف أنّ «ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا هو سبب من أسباب زيادة الأسعار إنما ليس السبب الرئيسي لها في لبنان».

وردًا على سؤال حول تأثير تأليف حكومة جديدة على الوضع الاقتصادي اللبناني، قلّل الحكيّم من أهمية الموضوع، معتبرًا أنّ «الحكومة الجديدة ستكون من النسيج الموجود، فلا أحزاب جديدة ولا نهج ولا أشخاص جدد». وأكمل: «هي بالطبع ستريح المواطن نوعا ما من التشنج وتعطي ثقة ولكنها لن تغيّر شيئًا جذريا».

وبالنسبة إلى الحلول، أكّد الحكيّم أنه «من الأساس ما كان يجب وضع الضرائب في ظل الركود الاقتصادي، واليوم المفروض في ظل ازمة البطالة إعطاء الشركات التي توظف الشباب تحت الـ28 عاما تحفيزات ضريبية لتشجيعها على التوظيف». ودعا إلى تنفيذ «خطة اقتصادية شاملة، فلا يمن العمل على الرّقع». وأضاف: «يجب استقطاب استثمارات من الخارج، إلاّ أنّ الضرائب عالية وكلفة الفوائد أيضًا وأسعار العقارات والمنتوجات والخدمات مرتفعة جدا فلمَ الاستثمار في لبنان، وبالتالي يجب تحسين هذا الامر ليصبح هناك مقومات للاستثمار في لبنان».

إذًا، صفعة تلو صفعة، وضربة تلو الأخرى يتلقّاها اللبناني، غلاء معيشي وتضخم وجمود اقتصادي مقابل انخفاض القدرة الشرائية للمواطن، هذا بالإضافة إلى الخطر الأكبر الذي يزيد من هموم المواطنين والضغط عليهم والذي يكمن بالعجز حتى اليوم عن تشكيل حكومة تعالج الأعباء الاقتصادية وتخفف عن كاهل المواطن.