منذ سنوات عدّة، وملف النفايات لم ينطوِ يومًا... مشاكل وتظاهرات تتصدّر عناوين الأخبار، اضافة الى غياب الحلول حيث يتلهى المسؤولون بمصالحهم الخاصة والذي يدفع المواطن اللبناني ثمن هذا التلوث من أمراض خطيرة...


يمكن تتبع أزمة النفايات الراهنة في لبنان والعودة الى بداية الحرب الأهلية حين شغلت بال الأهالي أصوات المدافع وملأت رائحة البارود مداخل الشوارع، فأنستهم مواطنيتهم. بيد أن ما يدعو للاستغراب، أن هؤلاء المواطنين رغم تغلبهم على كل مشاعر الكراهية، وأزالتهم ما خلفته تلك الحرب من بقايا سواتر ترابية...ألا أنهم لم يعرفوا سبيلا الى معاهدة تجمع سواعدهم لمعالجة مشكلة النفايات الصلبة والعضوية، التي أصمت نتانتها أنوف المسؤولين بل وتصدرت عناوين الصحف العالمية.


وفي جديد ملف النفايات، يُعوّل المسؤولون وبلدية بيروت على الخطة الاوروبية التي تقوم على تدوير ما تبقّى من النفايات بعد فرزها من المصدر وفرزها في المعمل وتحويلها لطاقة كهربائية.


ومن الواضح أنّ جميع المؤسسات تتعرّض لانتكاسات وتعثّرات، ويشوب أداءها بعضٌ من التقصير، ويعتريها شيءٌ من الاضطراب المسلكيّ والبنيويّ. غير أنّ مثل هذه المعايب، حين تصيب العاصمة بيروت، تتفاقم آثارُها لأنّ التركيبة البشريّة فيها منبثقةٌ من صميم الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ.



المؤيدون للخطة الاوروبية

اعتمدت بلدية بيروت حلاً جذريًا بعد أن تراكمت أكياس القمامة على أبواب المدينة فشوهت صورتها. اذا، من المؤيدون للخطة الاوروبية، بلدية بيروت التي قررت تبنى المجلس البلدي «بالاجماع» خطة متكاملة مبنية لادارة نفايات العاصمة تبدأ بالفرز من المصدر بهدف تقليص حجم النفايات ثم، الفرز في المعمل فالتدوير. وأخيرًا معالجة ما تبقى بتقنية التفكك الحراري، وأن المعايير المتّبعة هي عالمية ولا تسبب أضراراً بيئيّة ولا صحيّة على الناس.


والمتحمسون لهذه الخطوة يعتبرون انها تخلصهم من النفايات، فالمشروع جاء بالتعاون مع شركة Ramboll الدنماركية الرائدة في الاستشارات الهندسية بعد دراسة مقدمة من برنامج الامم المتحدة للانماء UNDP، مما يرفع سقف الشروط البيئية والصحية للتطابق مع تلك التي يضعها الاتحاد الاوروبي وفقا لمعاهدة بازلBasel Accord ويعد بخطة تنفيذ مستقيمة ومستدامة بحسب المدافعين والمتحمسين للخطة.



إذ أخذت البلدية على عاتقها إيجاد حل لمعضلة النفايات وأخذ المبادرة عبر تطوير خطة هندسية متكاملة تتبع نظام التفكيك الحراريThermal Decomposition كمرحلة نهائية بعد أن تمّ الفرز من المصدر والمعمل وبعد المعالجة، بالاضافة الى نظام الفرز من المصدر وغيرها، فما هو هذا المشروع؟

الفرز هي المرحلة الاولى، إذ تمّ وضع صناديق باللونين البرتقالي والرمادي للتمييز بين البقايا العضوية وتلك الصلبة، وهناك توجه لنشر حوالي 250 وحدة في أنحاء محافظة بيروت، حيث تقدر الدراسة أن هذا المرحلة قد تساهم ما بين 5-10% من اجمالي الخطة نظرا لفائض الفضلات العضوية في المجتمع اللبناني من جهة ونقص الوعي الاجتماعي (في الفترة الأولى) من جهة ثانية، مع العلم ان هذه المرحلة نفسها تساهم بنسبة 25-30% في الدول المتقدمة (فرنسا، دنمارك...). في نهاية هذه المرحلة يتم جمع ما تمكن جمعه من مواد صلبة(حديد، زجاج...) ثم ارساله الى المصانع المختصة لاعادة التدوير.


أما البقية الباقية التي تشكل 90% فهي تعتبر الهدف الاساسي لهذا النموذج، فيتم ارسالها الى المعمل المنشأ حديثا طبقا للمواصفات المذكورة أعلاه. تخضع النفايات القابلة للتدوير عند وصولها لدورة فرز ثانية باستعمال أحدث تقنية تدعى Optic sorting. بعد هذه المرحلة تخضع البقية الى المعالجة، ثم الى المرحلة الأخيرة والأهم «التفكك الحراري» بدل ارسالها الى المطامر. يتم استخدام هذه التقنية الحديثة لانتاج الطاقة الكهربائية بين 15-18Megawatts ما يكفي لتشغيل 10000 وحدة سكنية. الا ان هذه التقنية تكون نوعين من الرواسب Bottom Ashes Fly Ashes:، حيث الرواسب الصلبة يمكن اعادة استخدامها لتعبيد الطرقات ولمواد البناء وما يعرف Base Course Paving . أما ما يسمى بالرماد المتطاير، وهو ما يثير القلق والحيرة، الا أن الخبراء يطمئنون بحزم انه بامكانهم احتواء ومعالجة نسبة 100% من هذه المواد اذ تخصص ثلثي مساحة المعمل الاجمالية لمعالجة هذا النوع نتيجة التفكك، وأوضحوا في السياق عينه ان الدواخين لا تبعث اي من المواد الملوثة او الغازات السامة، انما فقط البخار المائي. إذ استطاعت المدن حول العالم اعتماد هذه التقنية في الأحياء السكنية.


والجدير بالذكر انه تم اضافة بند على دفتر الشروط بالزام المتعهد بترحيل هذه البقايا الى خارج لبنان طبقا لاتفاقية «بازل» للمواد المتبقية بين الدول.



ما هو التفكك الحراري؟ وهل يختلف عن المحرقة؟

ينفذ التفكك الحراري Thermal Decomposition عبر تعريض المادة لدرجة حرارة مرتفعة مما يؤدي الى تحلل المكونات الكيميائية لتصبح عناصر جزئية، الأمر الذي يؤدي الى انتاج طاقة بفعل الفصل القصري للجزيئات بعضها عن بعض. وهذا يتم عبر استهداف الروابط بين الجزيئاتBond Molecules بأشعة حرارية مما يؤدي الى انشطارها. والملفت ان التجارب العلمية تظهر سهولة في تفكيك المعادن أكثر منها في المواد العضوية وذلك نظرا لازدياد صلابة الروابط في المعادن عند الاقتراب من درجة الحرارة الاشعاعية الخاصة بها Reactivity series مما يؤدي الى سهولة في التحطيم على مقياس مجهري.أما ما تبقى من مواد عضوية فيجري معالجتها لتصبح في مرحلة التسبيخ Compost حيث يتم الاستفادة منها في دعم المحاصيل الزراعية.



أما في ما يتعلق بالمحرقة فهي تعتمد أسلوباً مختلفاً تماما، حيث يتم جمع مختلف أنواع النفايات دون الأخذ بعين الاعتبار امكانية اعادة تدوير بعضها او تسبيخ أخر، فيتم تلفها ثم احراقها قبل ان تضغط على شكل حزم ليتم طمرها في ما بعد.