رزق الله على أيام الخير بلبنان، رزق الله على ناس الخير بلبنان، رزق الله على أيام المحبة بلبنان، رزق الله على لبنان الواحد الموحّد، لبنان بلا طائفية أو مذهبية.

رزق الله على أيام سوق الطويلة، وسوق النورية وسوق السمك وسوق إياس وسوق الكندرجية وسوق العطارين وسوق الخضار، وصرخات الباعة بالسوق (أبو نقطة يا موز، عسل يا كلمنتين، تعا شيلن قبل ما يجي غيرك ويشيلن)، وعجقة الناس وسوق القزاز، وسوق الصاغة وكراج العسيلي وموقف البوسطات، وبركة العنتبلي مع كاسة القشطة والعسل، وجلاب أبو حلب مع زبيب ولوز.

آه يا بيروت، آه يا بلد

رزق الله على إيامك يا ترومواي بيروت، رزق الله على إيام جحش الدولة وسينما الريفولي و«التياترو الكبير» وسينما «الكابيتول» ومسرح الفنان شوشو وساحة الدبّاس وساحة البرج وساعة الورود الناطقة بجنب تمثال الشهدا.

رزق الله على مقاهي بيروت التي كانت تجمع الكل من مثقفين وفنانين، وتجار وعمال وعشاق وأصحاب وطلاب جامعات وسياح من كل البلدان.

رزق الله على أيام «البلد» التي كانت تجمع كل الناس، من كل الأطياف والمناطق، من الشمال والجنوب والبقاع والجبل.


«وين رايح، نازل عبيروت، نازل عالبلد»

آه ما أجمل تلك الكلمة التي كان يتغنى بها اللبنانيون، لأنها كانت بحق هي «البلد» كانت الجامعة الوحيدة للكل دون استثناء، للفقير والغني، للتاجر والمزارع، للطالب والموظف، كانت الجامع للأعياد وهدايا الاعياد، لعيد الفطر وفرحة الاولاد بشراء ثياب العيد، وشراء الحلويات والشوكولا والملبس من البلد، لعيد الميلاد والتحضير لحبشة العيد وشجرة الميلاد والزينة وكله من البلد كانت العملة الوطنية اللبنانية، الليرة في أوج عزها، وكانت العائلات تلبس وتأكل وتعيش وتسهر في أمن وأمان والليرة كانت تكفي الجميع.


سويسرا الشرق

في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، حصل لبنان على لقب «سويسرا الشرق»، لانفتاحه الاقتصادي والاجتماعي والسياحي ولحفاظه على عملته الوطنية القوية، ولجمال طبيعته وطقسه المعتدل، وخدماته الفندقية، وشاطئه الجميل النظيف ولثروته الحرجية وهوائه النظيف، ولأن بيروت كانت بوابة الشرق ومحجّة العرب إليه وخاصة أهل الخليج، الذين اعتبروه بلدهم الثاني، واستثمروا فيه أموالا واشتروا العقارات والبيوت، خاصة في مناطق جبل لبنان، مثل عاليه وبحمدون وبعلشميه وصوفر وغيرها.


دمار البلد

جاءت الحرب الأهلية التي فرضت على اللبنانيين، ودمّرت كل شيء في لبنان، دمّرت «البلد» بشكل شبه كامل، دمّرت روح لبنان، زرعت الشك والرعب والموت في نفوس اللبنانيين، شتّتت أهل «البلد» وفرّقتهم الى طوائف ومذاهب، ودفع الكثير من اللبنانيين ومن كل المذاهب والطوائف ثمناً للحرب التي فرضت عليهم.


من «البلد» إلى «Down Town»

بعد انتهاء الحرب الأهلية، وعودة الأمن والأمان الى الوطن، عادت الحياة الطبيعية بين كل المكونات الاجتماعية اللبنانية، لكن بصمة الحرب التي فرقت اللبنانيين بين مذاهب وطوائف، ما زالت تطغى على الجميع، وانقسم أهل الساسة والسياسيين والمجتمع اللبناني، وأعيد إعمار ما تهدم بعد الحرب، وقد وضعت خطة خاصة لوسط بيروت أي «البلد»، حيث وضعت يدها شركة «سوليدير» على الوسط التجاري لبيروت، أي على روح بيروت، روح البلد، وأعيد إعمارها بشكل هندسي جديد، وتم القضاء على الاسواق التي كانت تجمع الناس، عاد الحجر الى «البلد»، لكن بقيت فارغة من الروح، من أولادها، إذ تغيرت معالمها وألغيت أسواقها التي كانت تجمع الناس، كل الناس من كل المناطق، وأصبحت بلد بلا ناس، بل تغير اسمها وروحها من «البلد» التي تعني الفقير والغني الى Down Town، حيث فقدت نكهتها لجمع اللبنانيين وأصبحت بنكهة غريبة عن اللبنانيين، وابتعد عن مقاهيها التي كانت تجمع بالماضي المثقفين والفنانين والطلاب وعامة الناس، لأنها أصبحت فقط للأثرياء وأصحاب النفوذ والسلطة والساسة والسياسيين، لان الليرة التي كانت تجمع الجميع، ضاعت ووضع مكانها الدولار، وضاعت معها طبقة وسطى كانت تعيش بأمان، واليوم باتت طبقة غنية جدا وطبقة فقيرة جدا.


هل ما زال لبنان سويسرا الشرق؟

اليوم في أواخر العام 2018، وبعد دخول الحضارة والتكنولوجيا الى عالمنا والى بيوتنا، ترى هل ما زال لبنان سويسرا الشرق؟، هل حافظ على انفتاحه الاقتصادي والاجتماعي؟، وهل بقيت عندنا سياحة؟، بالأمس كانت الألف ليرة تعتبر ثروة، اليوم المئة ألف ليرة لا تكفي مصروف عائلة مؤلفة من 4 أشخاص يوميا، وحتى أنها لا تكفي مصروفا شخصيا أحيانا مع مصروف سيارة، بالأمس كان الشاطئ اللبناني من أجمل الشواطئ في البحر الأبيض المتوسط، اليوم الشاطئ اللبناني ملوث بالكامل تقريبا نتيجة رمي النفايات وتحويل المجاري الصحية الى البحر، بالأمس كان الناس يذهبون الى الطبيعة لجمالها ويتفيئون بظلال أشجارها وتجلس الناس على ضفاف الأنهار وتسبح فيها وتشرب منها، وكانت المزروعات تسقى من الأنهار دون خوف من تلوث، اليوم قطعت الأشجار ولوّثت الأنهار بالمجاري ورمي المعامل لنفاياتها الكمياوية وبات الناس يخافون من أكل الخضار خوفا من أن تكون ملوثة بمياه الأنهار.

هل تقبل سويسرا أن نشبه لبنان الآن بها، بعد كل ما دخل على لبنان من تلوث بيئي لشواطئه وأنهاره وطبيعته وبعد أن أصبحت روائح النفايات عند كل المداخل الى العاصمة من الشمال الى الجنوب الى الجبل، هل فعلا هذا لبنان الذي لقب بـ «سويسرا الشرق»، والحرائق التي طالت غاباته والكسارات التي شوهت جباله.

ليس لبناننا الذي كان والذي نريد، هذا لبنانهم هم أصحاب النفوذ والسلطة، الذين دمروا خيراته وسرقوا أمواله وهجّروا شبابه ومثقفيه الى بلاد الاغتراب سعيا وراء لقمة العيش لان البطالة استشرست فيهم وتسببت بالضياع للكثير من الشباب والشابات، هذا فعلا ليس لبناننا بل هذا لبنانهم هم لأنه يشبههم ولا يشبه اللبنانيين أولاد البلد الحقيقيين.


أين البلد يا اولاد البلد؟

ضاعت «البلد» وضاع معها الخير بابن البلد، ضاعت اللّحمة التي كانت تجمع أولاد البلد، ضاعت أسواق البلد الشعبية ووضعت مكانها أسواق تجارية ضخمة ومحلات فخمة ومقاهي لا يدخلها الا أصحاب الثروات، دخلت على «البلد» أسماء لا تشبه أهل البلد ولا يستطيع الأغلبية من اللبنانيين مجاراتها، لان الوضع الاجتماعي والمالي للبنانيين أصبح صعبا جدا، ولم تعد هناك طبقة وسطى وطبقة فقيرة، بل أصبح الكثير من الشعب اللبناني طبقة فقيرة وانعدمت الطبقة الوسطى.

ضاع البلد، يا اولاد البلد.

ضاع البلد، يا أهل السياسة والسلطة في البلد.

ضاع البلد، وهجّر شباب البلد.

أيها اللبنانيون لتكن «البلد» هي الجامع كما كانت للبنانيين جميعا بروحها، وليس ال Down Town، والامر ليس بالتسمية، بل بالروح المعنوية التي حملت اللبنانيين وجمعتهم دون تفرقة بين منطقة وأخرى وكانت تحمل هموم ومشاكل اللبنانيين، كل اللبنانيين وكانت محجة للغني والفقير.

لكن لن يبقى الوضع على ما هو عليه، لأن لبنان مرّ عليه الكثير من الحروب والشعوب والاحتلالات وعاد ونبذ الجميع، لذا عليهم أن يعرفوا جميعا ومهما طال الزمن ومهما عربدوا وسرقوا، لبنان سيعود الى سابق عهده وسينبذهم جميعا

لبنان رح يرجع،

بيروت رح ترجع،

البلد رح ترجع لأولاد البلد

خليل جابر