كانت أحد أهمّ الشخصيّات الكرتونيّة وفي الكتب المدرسيّة المصوّرة شخصيّة ساعي البريد اللطيفة والمحبة 

وكانت حياته بالنسبة للناس مغامرة، ووظيفته مشوّقة تسمح له بالتنقّل بين البيوت والأحياء، وإيصال الرسائل المليئة بالاشواق والحنين ونقل الأخبار عن الأحبة والأصحاب والأهل الذين اضطرتهم ظروف الحياة إلى العمل أو الدراسة بعيداً

ولكنّ التطوّر التكنولوجي الذي لحق بوسائل الاتصال ومجال الاتصالات، من أنترنت وفاكس وهاتف نقال، وحاصر العالم والدنيا والكون، ومحا تقاليد وعادات، هو نفسه يتّجه نحو الغاء وظائف ومهن لا لزوم لها بعد الآن، و بعدما اقتحمت التكنولوجيا والتقنيات الحديثة مداره القديم، كادت تحوّل سيرته إلى حكايات أسطورية تحكيها الجدات لأحفادها

كيف لا، وال» هوتمايل» وال» ميسينجر» وال «واتساب» سيطرت على كلّ مفاصل التواصل الاجتماعي بين الناس، حتّى بات يستعملهما طفل عمره 3 سنوات وعجوز قارب السبعين من عمره على حدّ سواء

والمؤسف أكثر أنّ الخيار لم يعد موجوداً حتّى، فإن كان شخص ما يُفضّل وسائل الاتصال السابقة، إلا أنّه سيُضطرّ أوّلاً وأخيراً أن ينجرّ الى الوسائل الحديثة، مخافة أن يُصبح «المتخلّف» وسعياً منه لمواكبة التطوّر والتقدّم.

} تطوّر «الرسالة» }

وقد مرّت الرسالة في مراحل عديدة شهدت فيها تطوّرات ومتغيّرات:

1- البداية من عصر الفراعنة والصخور والآثار القديمة

بعد أن تمّ اختراع الحروف والكتابة، وتأسّست الدول والحضارات، وجدت بعض الخطابات الخاصة بالفراعنة باللغة الهيروغريفية منقوشة على جدران معابدهم، واعتبرت رسائل لأبناء شعبهم وحتّى ربّما لأبناء المستقبل.

كما عثر في مواقع كثيرة من بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين على رسائل متبادلة ما بين ملوكهم وفراعنة مصر، حيث كان فراعنة مصر تملك أنظمة بريدية منظمة كالتي كان يتميز بها الصينيون والفرس والأشوريون.

وكان التراسل يتمّ بطرق مختلفة، إما على قوالب الطوب أو على ألواح من الخشب أو على سعف النخيل أو على ورق البردي، وحفظت الصخور والآثار القديمة كثيراً من النقوش الهيروغليفية وقد كانت هذه المرحلة الأولى بعد أن ابتدع الإنسان الكتابة ثم وجدت الرسالة عندما تمكن الإنسان من الكتابة أو النقش على مواد يسهل حملها ونقلها.

وكان قدماء العرب ينقشون الرسالة على قوالب من الطين ثم تحرق هذه القوالب ولضمان سرية الرسالة كانت توضع في غلاف من نفس النوع يكسره المرسل إليه لكي يقرأ الرسالة ثم أخذوا يكتبون على الجلود بعد دبغها وعلى لحاء الشجر ثم على ألواح الخشب المكسوة بطبقة من الشمع إلى أن جاء القرن الثامن عشر واكتشفت صناعة الورق.

2- المرسال الاول: الحمام الزاجل

وكان الحمام الزاجل هو أول حامل للرسائل عرفته البشرية، واستطاع الإنسان أن يوظفه لنقل الرسائل، في فترة ما قبل المشاة أو المتنقلين على الحمير أو الجياد أو الدراجات العادية ثم البخارية. ففي أيام الألعاب الأولمبية اليونانية أيام سباق العجلات الرومانية كان بعض اللاعبين يـأخذون معهم الحمام الزاجل إلى الملاعب فإذا أصاب أحدهم الفوز شد إلى عنق الحمامة قطعة من القماش بلون الفريق الفائز أو بقطعة من بذلته الرياضية وأطلقها فتبلغ برجها في اليوم نفسه ويعرف بذلك أهله وذووه أنه فاز في المباريات وكان يستعمل في بريد الحمام الزاجل ورق خاص يسمى ورق بريد الحمام.

وفي الاطار نفسه، كان أول استخدام للحمام الزاجل في الحروب، وكان في زمن الإمبراطور الروماني أوكتافيوس الثالث، الذي استخدم هذا النوع من الحمام لتبادل الأخبار والخطط العسكرية مع قائد جيشه «بروتس» الذي حاصرته قوات «مارك أنطوني» في مدينة «فودليا».

3- البريد والرسائل

بعد معرفة الممالك القديمة بأمر البريد انتقل إلى العرب وكانت طريقته البدائية التي أخذوها عن البيزنطيين، هي إشعال النار على قمم الجبال للتأكيد على رسالة متفق عليها من قبل، ومن هنا جاء المثل المشهور «أشهر من النار على العلم»، ثم تطور بشكل كبير في زمن الدولة الأموية على يد معاوية بن سفيان، ووضع النظام الأول للبريد العربي، وجعل من مدينة البصرة في جنوب العراق مركزًا له.

وقد تطور البريد بتطور وسائل النقل، فقد أدى تطور الملاحة البحرية، وظهور القطارات إلى تسريع تسليم البريد الذي زاد من رغبة المستخدمين في كتابة الرسائل، وكانت تفرز الرسائل في القطارات لتسلم بشكل سريع، كما وجدت في القطارات قضبان معدنية لالتقاط أكياس البريد في المحطات التي لا تقف فيها.

وبعد انطلاق الطائرات المحلقة في السماء عام 1905 انطلق معه البريد عام 1910 لينقل جوًا لأول مرة ما بين مدينتين في بريطانيا، وكانت العراق من أوائل الدول العربية تتأسس فيها دائرة رسمية للبريد في العهد الحديث.

4- البريد الإلكتروني

ظهر الانترنت وحمل معه البريد الالكتروني و تطور إلى مراحل عديدة كان من بينها إرسال «راي توملينسون» سنة 1971 أول رسالة تستخدم الرمز «@" للفصل بين اسم المستخدم، وعنوان الحاسوب، كما استقر عليه الوضع اليوم.

ويقول الخبراء: إن البريد الإلكتروني يتمثل في صندوق أشبه بصندوق البريد العادي الذي تخزن فيه الرسائل العادية إلى أن يفتحه صاحبه ويأخذ رسائله، ويمكن هذا البريد الإلكتروني أيضا من إرسال رسائل إلى أصحاب العناوين البريدية الالكترونية الأخرى، ويتميز البريد الإلكتروني بسرعته الفائقة، مما جعله يسيطر ويلغي التعامل عبر البريد العادي.

ولكن، ورغم تراجع دور ساعي البريد، الى حدّ اختفائه في بعض البلدان، إلا أنّ رمزيّة هذه المهنة، والعاطفة المتدفّقة من خلال الرسائل الخطية الملموسة أو الهدايا الرمزية المبعوثة، والشعور الذي لا يمكن وصفه والذي ينتاب الشخص عندما يستلم بعد شوق وطول انتظار رسالة خطية من صديق له في بلد آخر، وهي مستند مكتوب يُمكن الاحتفاظ به لوقت طويل، وحتّى لسنوات، لا يُقارن أبداً بالشعور عند استلام رسائل عبر البريد الإلكتروني.

(اليان مارون ضاهر)