مَهَدَ الرئيس المكلف سعد الحريري الأجواء قبيل عودة رئيس الجمهورية ميشال عون من نيويورك، ثم عاد ومهد قبل وبعد إطلالته على الإعلام، ووضع سقفا للتأليف، مدته عشرة أيام. لكن يبدو أن الحريري الممتلئ تفاؤلاً، تسرع بوعد الشارع الفاقد للأمل. إلا أن الرئيس الحريري الذي لا يريد إحراج القوات كي يبقى في الحكومة العتيدة شيء من التوازن، لم يقدم بعد أي عرض جدي يمكن أن يلاقي القوات بالطلب المحق ولا الإشتراكي أيضا ضمن عدم توزير النائب ارسلان. فما هي الأسباب المخفية خلف هذه التعقيدات؟

يسعى الحريري إلى طرح صيغة حكومية جديدة إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، إلا أنه يأسف مجددا أن هناك من ينسف التفاؤل الذي يبديه دائما ويجهض الصيغ قبل يلوغها بعبدا.


قواتيا، تكمن المشكلة بنوعية الحقائب المطروحة على القوات، اذ إنها لا تلاقي القوات في منتصف الطريق ولا تتقاطع مع قدر التنازلات التي وصلت إلى شفير الكرامة والحجم.

ولن تقبل القوات تحجيمها من خلال اسناد حقيبتي التربية والشؤون الإجتماعية لها، او الثقافة، بالإضافة الى وزير دولة ونائب رئيس حكومة، من دون حقيبة. وهي أكّدت انها سهلت تشكيل الحكومة ولكن ضمن السقف الذي يحترم تمثيلها الشعبي والنيابي.

فثلث الحصة المسيحية وزاريا ليس فقط بالعدد، إنما لوزن الحقيبة أهمية كبرى. ويرى المقربون من القوات أن الوزراء القواتيون أظهروا أسلوبا فريدا في العمل الوزاري ليس فقط من ناحية كل وزير بوزارته إنما في السياسة العامة في كل الملفات متخذين الشفافية والنزاهة والجدية فوق كل اعتبارمن أجل المصلحة العامة.

على صعيد آخر، يرى التيار الوطني الحر ان القوات اللبنانية مكلفة بطلب من الخارج بإسقاط كل محاولات تشكيل الحكومة، وأن المسألة لا تتصل بحصتها بل بالإرادة الخارجية، وهناك مقربون من التيار الوطني الحر يرون ان التدرج السلبي في موقف القوات يدل على ذاك التدخل السعودي ، اذ انها بعدما تبلغت إمكانية الحصول على منصب نائب رئيس الحكومة سارعت الى رفضه على الرغم من انها قاتلت للحصول عليه.

ولكن يسأل العونيون إن كانوا فعلا قدموا أي تسهيل أمام الحريري. فلم يعد مخفيا أن حصة الرئيس ليست ببعيدة عن سياسة التيار الوطني الحر وكل من يقول غير ذلك إنما يعيش في الخيال والجهل الحقيقي للأمور السياسية، والمستغرب صراحة هو تعنث العونيين وفتحهم النار في كل الجبهات. وزارتان سياديتان ووزارة العدل والصحة وربما الأشغال والمزيد من الوزارات الأساسية والخدماتية وكل ذلك لا يوصل إلى خفض هذا المستوى السلبي في التعاطي مع الآخرين.

صراحة إن هذه الوقائع السياسية الحالية تشير فعلا إلى شدة الأطماع الفردية لكل فريق على حساب الوطن، والمواطن هو الخاسر الوحيد ..

فبين الإنقسام الدائم، والمنافسة على الكراسي والمقاعد الوزارية، ضاعت أبسط حقوق المواطن ومتطلباته. دينٌ عام يرتفع ويزداد، والبلد في وضع إقتصادي دقيق، النمو شبه معدوم، والوضع المعيشي سيئ، ازدياد في معدّل البطالة وفشل عقيم ومتكرر لتأمين الكهرباء، إضافة الى مشكلة التلوّث القديمة-الجديدة ووعود وزراء الصحّة منذ سنوات بتأمين التغطية الصحيّة الشاملة، ويأتي الفساد المستشري في كل دوائر الدولة ليزيد الطين بلّة.

 

ويرى بعض المتابعين للشأن العام أن عرقلة تأليف الحكومة بسبب العقدة المسيحية أقرب لتكون حرب رئاسية مبكرة إفتراضا أن الحكومة ممكن أن تكون طويلة الأمد، الأمر الذي أنهى اتفاق معراب أسرع مما توقع البعض. وبدل تقاسم النفوذ والسلطة اشتعلت حرب إلغاء وتحجيم، لكن اتفاقا آخر يلوح في الأفق قد يبدل موازين المرحلة المقبلة رئاسيا.

فتيار المردة والقوات اللبنانية بعد حوالي أربع سنوات من التواصل الغير معلن في معظم الأحيان يحضران في أروقتهما لقاءا أصبح في الغد المنظور بين الدكتور سمير جعجع و الوزير سليمان فرنجية.

لقاء قد يصب في مصلحة أبناء زغرتا وبشري بعد قطيعة ثلاثة عقود. على أمل ألا تكون معاهدة تقاسم نفوذ بل مصالحة حقيقية لطي صفحة الماضي، وكي نتسامح وننسى حقبة سوداء من الماضي فرقت بين أبناء الطائفة الواحدة.

 فهل سيكون لهذا اللقاء أي تأثير على مسار التأليف؟


ليلي مضفر