قال الكاتب الفرنسي الشهير "جان جاك روسّو" : " قبل أن أتزوج كانت لدي ستة نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم".

كيف لا، والتربية ساحة مُشرّعة من كلّ صوب، ومفتوحة على كلّ الاحتمالات…

كيف لا، والتربية مسؤولية كبيرة تقع على أكتاف كلّ أهل، وتتضمّن تحدّيات لا تنتهي، وصعوبات لا تتبدّد…

كيف لا، وكلّ طفل يأتي الى العالم يحمل في جيناته تركيبة فريدة تختلف عن كلّ الأطفال الآخرين …

كيف لا، وكلّ لحظة وكلّ كلمة وكلّ نظرة تُوَجّه لهذا الطفل قد تؤثّر على كلّ مراحل حياته اللاحقة، وقد تُكسبه عادات سيّئة ومفاهيم خاطئة…

وتشكّل تربية الأطفال في وقتنا الحاضر تحدّياً للكثير من النّاس، فالوقت المتاح لكثيرٍ من الأهل يتقلّص باستمرار بسبب صعوبة العيش وكثرة مسؤوليات الحياة، وتتجّه الأمّ الى تمضية ما تبقى من وقتها في التنظيف والترتيب…

والطفولة مرحلة مهمة جداً في بناء شخصية الاطفال، ورغم أن الأهل يهتمون بتكوين الأسرة إلّا أنهم لا يهتمون بأسلوب تربية الأبناء كفاية، وإنما معظمهم يستخدم ما تيسّر من أساليب التربية وما بقي في ذاكرتهم من أساليب أهلهم، رغم أنها قد لا تكون مناسبة.

*الولد بطبيعته مستكشف وعالم*

وفي ظلّ كلّ المشاكل التي يمرّ بها الأهل مع أولادهم، يغفلون أحياناً، أنّ تصرّفاتهم وأنظمتهم وقوانينهم ومجتمعهم، يخلقون أجيالاً منزوعة الإبداع والخلق بحجّة الترتيب والنظافة…

والحقيقة هي أنّ كلّ الاولاد يولدون علماء ومستكشفين، يطرحون تساؤلات عن الوجود، والكون والنجوم والحياة… ما الذي يجعل المحيطات هكذا، والطقس ماذا يؤثّر عليه… هم علماء بشكل غريزيّ… ولكن في لحظة معيّنة يحدث شيء ما…إنّ هذه القدرة تُسحق كلّياً من قبل المجتمع والقيود والممنوعات…

والعبقرية كما تُعرَّف في المعاجم بوضوح؛ هي التمتُّع بذكاء شديد وقدرة كبيرة على الابتكار. وتتداخل العبقرية والإبداع كثيرًا وبصورةٍ مُتكرِّرة، فهناك إجماع على إمكانية تداخل الإبداع والعبقرية اللذين يقومان على القدرة والمهارة العالية في العلوم وفي المجالات الأدبية والموسيقية والفنية.

وهذه العبقرية تحتاج مساحة لتتطوّر وتتبلور، ولكن حتّى وإن كانت موجودة تلقائيّاً في كلّ طفل إلّا أنّ للتربية تأثير كبير إن لجهة تعزيزها أو لجهة قمعها…

فتلعب التأثيرات الأسرية دورًا مهماً في تطوُّر أنواع مختلفة من الأشخاص المبدعين، بمن فيهم العباقرة. فإن تشجيع الأهل ودعمهم لأفكار أولادهم الجنونية سوف يؤدّي الى توسيع دائرة الابداع في رأس الولد، وتعزيز قدرته على الخلق والاختراع…

*رأي علم النفس*

وللإضاءة أكثر على الموضوع أجرى الديار الالكتروني أتصالاً مع أخصائية علم النفس الدكتورة كارول سعادة.

وأشارت سعادة الى أنّ الترتيب يدخل في شخصيّة الانسان، وهو ضروريّ ومهمّ، من حيث أنّه يجعل الانسان منظّماً، ولكنّ بعض الأمّهات اللواتي يبقين قلقات طوال الوقت من أن يكون المنزل غير مرتّب، يخلقن لدى الولد صراعاً داخليّاً، لا يجد طريقة ليتخطّاه، زالسبب هو أنّ الولد يُخطئ ويحتاج أن يخرّب وأن يكون متّسخاً… ومع الوقت سوف تصبح شخصيته مقموعة ويتحوّل الى الوسواس القهري…

والفوضى المستمرّة قد تشكّل أيضاً مشكلة في شخصية الولد، لجهة أنّه لا يقدر بعدها أن يخضع للنظام، كما تخلق عند الولد توتّراً خصوصاً عندما لا يكون هنالك تنسيق في الأمور اليوميّة.

وكلّ مرحلة لها خصائصها، فالطفل الذي يبلغ عامه الثاني يحتاج أن يلمس الأشياء ليعرف كيف تعمل وحتّى أنّه قد يحتاج ليكسر بعض الامور كي يكتشف أنّها تنكسر.

المهمّ ألّا يؤدّي هوس الام بالنظافة الى خلق شخصية مكبوتة ومنزوعة من الابداعات ولا تقدر في المستقبل أن تُعبّر عن مشاعرها وأحاسيسها، ما قد يؤدّي لمشاكل أخطر وأعمق.

*الاولاد مخترعو الغد ومبتكرو المستقبل*

نعم، فهم الجيل اللاحق الذي سيُغيّر الكون ويكتب المستقبل، أو الجيل اللاحق الذي سيجلس ويتفرّج خوفاً من أن يكسر شيئاً أو يُبعثر شيئاً آخر.

هم الجيل القادم الذي سيحلّق في الفضاء ويغزو الكواكب، أو الجيل الذي سيجلس ولا يفعل شيئا خوفاً من أن يتّسخ الهواء في الفضاء…

فاحذروا أيّها الاهل كيف تُربّون أولادكم، فأنتم تصنعون أجيال الغد والمستقبل….