قد يعتقد ولي العهد محمد بن سلمان، والجلادون التابعون له، أنهم بمنأى عن متناول القضاء الدولي، بعد قتل الصحفي جمال خاشقجي. لكن يجب عليهم ألا يثقوا كثيرا في هذا الأمر، إذ أن هنالك مجموعة من الطرق التي تكفل معاقبة الحاكم السعودي وباقي المجرمين، على هذه التهمة الموجهة إليهم، سواء في المحاكم المدنية أو الجنائية في كل أنحاء العالم.

في هذا الصدد، يقول ستيفن راب، السفير السابق لوزارة الخارجية الأمريكية في قضايا جرائم الحرب: "إذا كانت التقارير الواردة صحيحة، فإن ما تعرض له السيد خاشقجي هو انتهاك خطير لمختلف قوانين حقوق الإنسان الدولية، ومن بينها قانون حماية الأفراد ضد التعذيب والاختفاء القسري".

كما أضاف " لن يكون البحث عن العدالة والمحاسبة في قضية خاشقجي سهلا، إلا أن هنالك العديد من الآليات المتاحة، لملاحقة محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، وبقية السعوديين الذين يقال إنهم نفذوا عملية القتل. وعائلة خاشقجي لها الحق في البحث عن العدالة في المحاكم المدنية، والمدعون العامون في العديد من البلدان يمكنهم أيضا توجيه تهم جنائية، بناء على القانون الدولي وما سبق ذكره من أطر."

يمكن ملاحقة محمد بن سلمان وبقية الضباط السعوديين جنائيا في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب

ويضيف راب: "هذا النوع من الأفعال يمنح الحق للضحايا وغيرهم لإثارة هذا الموضوع في المؤسسات الدولية، ويمكن أن يفتح الباب أيضا للقيام بتسويات خاصة. والأهم من ذلك هو أن فرضيات تعرض خاشقجي للتعذيب والاختفاء القسري، وعملية القتل التي تعد أكثر بشاعة، تفتح الباب أمام الملاحقة القانونية للمتورطين في هذه الأفعال، في دولة ثالثة."

في الواقع، يمكن ملاحقة محمد بن سلمان وبقية الضباط السعوديين جنائيا في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي وقّعت عليها المملكة العربية السعودية، إذ أن هذه الاتفاقية تمنع كل الأفعال التي تسبب ألما حادا أو معاناة… والتي تتم عن طريق أو بموافقة أو علم مسؤول رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصلاحيات رسمية.

وبناء على مبدأ الولاية القضائية العالمية، فإن أي بلد عضو في هذه المعاهدة، ومن بينها الولايات المتحدة، يمكنها أن ترفع قضية أمام محكمة العدل الدولية، وتطالب بإصدار قرار يلزم السعودية بمحاكمة أو تسليم محمد بن سلمان وباقي المشتبه بهم. وهنالك مثال وقع مؤخرا على ذلك، عندما رفعت بلجيكا دعوى قضائية ضد السينغال، تطالب بتسليم ومحاكمة حسين حبري، الرئيس السابق للتشاد، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

قاومت الولايات المتحدة وإدارة ترامب مبدأ الولاية القضائية العالمية، خوفا من مواجهة المسؤولين الأمريكيين لاتهامات. إلا أن دولا أخرى مثل ألمانيا، كانت أكثر صرامة في ملاحقة الجرائم مثل التعذيب والاختفاء القسري، مهما كان موقع حدوثها. وفي يونيو/حزيران، كان المدعي العام الألماني قد أصدر مذكرة توقيف دولية ضد رئيس مديرية المخابرات الجوية في سوريا، بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

تحت غطاء القانون الدولي والقانون الأمريكي، حتى لو لم يتم إثبات اطلاع محمد بن سلمان مسبقا على خطة قتل خاشقجي، فإنه يمكن رغم ذلك إدانته لأنه مسؤول بصفته قائدا لهؤلاء القتلة.

وفي هذا الشأن يقول راب: "يمكن اعتبار أن طريقة تعامل السعودية مع أعدائها هي هجوم واسع النطاق وممنهج ضد المدنيين، وفي هذه الحالة فإن أعمال القتل والتعذيب والإخفاء القسري يمكن أن تعتبر جريمة ضد الإنسانية، ويصبح ممكنا ملاحقتها أمام القضاء الدولي".

وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، تواصل الحكومة السعودية توصيف عملية قتل خاشقجي بأنها وقعت على يد "عناصر مارقة"، وتدعي أن ولي العهد لم يكن مطلعا أو مشاركا في هذه الجريمة. أما الرئيس ترامب، على الرغم من وصفه للروايات الرسمية السعودية بأنها تتضمن "خداعا وأكاذيب"، فإنه يصر على رفض التصريح بأن محمد بن سلمان نفسه يتحمل مسؤولية.

في المقابل، تحت غطاء القانون الدولي والقانون الأمريكي، حتى لو لم يتم إثبات اطلاع محمد بن سلمان مسبقا على خطة قتل خاشقجي، فإنه يمكن رغم ذلك إدانته لأنه مسؤول بصفته قائدا لهؤلاء القتلة.

وعلى سبيل المثال، فإن المحاكم الفيدرالية الأمريكية في سنة 1995 أصدرت قرارا يقضي بأن وزير الدفاع في غواتيمالا، هيكتور غراماخو، مسؤول على اغتصاب وتعذيب شقيقة ديانا أورتيز، على يد قوات تحت إمرته. ويقول راب: "إن الإدانة بناء على مبدأ "المسؤولية القيادية" تتطلب إظهار تحكم فعلي، ودليل على الاطلاع، والفشل في منع هذه الأفعال أو معاقبة المتورطين فيها بشكل مباشر. كما أن التضحية بكبش فداء لا يعد عقوبة، بل إنه يجعل الأمور أكثر سوء بالنسبة لمحمد بن سلمان".

قد يكون من المستحيل تنفيذ مذكرة اعتقال أو دعوى قضائية في الولايات المتحدة، ضد محمد بن سلمان أو أي من المتورطين، إذا لم يدخلوا فعليا إلى الأراضي الأمريكية. ولكن إذا حدث أن وضع أحد المشتبه فيهم قدمه على التراب الأمريكي، فإن هذا الشخص يمكن اعتقاله وتوجيه الاتهامات له، بناء على القانون الأمريكي. ومحمد بن سلمان بصفته مسؤولا دبلوماسيا رفيع المستوى، يمكن أن يتمسك بالحصانة، وهنا سوف يرجع الأمر للمحاكم للبت في هذه الحالة.

محمد بن سلمان وبقية المشتبه بهم معرضون أيضا بصفة شخصية لمختلف أنواع المسؤولية المدنية، إذ أن أفراد عائلة خاشقجي يمكنهم ملاحقته في المحاكم الأمريكية، تحت قانون حماية ضحايا التعذيب لسنة 1991، الذي يمنح المحاكم الأمريكية صلاحيات ملاحقة جرائم التعذيب التي تعرض لها أي شخص في أي مكان.

يمكن للكونغرس أيضا تمرير قانون يسمح لعائلة خاشقجي بملاحقة الدولة السعودية، على غرار ما فعله مع ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول

كما يمكن أيضا لعائلة خاشقجي رفع قضية تحت قانون سنة 1789، الذي يكفل للمواطنين الأجانب التقاضي أمام المحاكم الأمريكية ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت خارج الولايات المتحدة. وهذا القانون كان قد استخدم لملاحقة منتهكي حقوق الإنسان، ومن بينهم الرئيس السوداني عمر حسن البشير، ويعلق راب على هذا الأمر بالقول: "لو كنت في مكان عائلة خاشقجي، فإنني سأفكر في هذا الخيار".

علاوة على ذلك، يمكن للكونغرس أيضا تمرير قانون يسمح لعائلة خاشقجي بملاحقة الدولة السعودية، على غرار ما فعله مع ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول، على الرغم من معارضة حكومة باراك أوباما. كل هذه الطرق نحو إرساء العدالة والمحاسبة في جريمة قتل خاشقجي، تتطلب جهود الذين يهتمون بعلوية القانون، والعدالة الدولية وحقوق الإنسان، للنضال من أجل فرض هذه المبادئ. ومحمد بن سلمان قد يعتقد أن يملك ما يكفي من النفوذ والقوة للهروب من العدالة الحقيقية، وهو قد يكون على حق.

ولكن لا يمكنه أبدا أن يكون واثقا من ذلك، ولبقية حياته، سوف يظل شخصا منبوذا تماما مثل باقي منتهكي حقوق الإنسان الدولية. وكلما سافر هو أو أحد شركائه إلى بلد يتم فيه احترام لحقوق الإنسان، فإنه سوف يكون قلقا من إمكانية محاسبته على قتل خاشقجي وبقية الجرائم.

المصدر: واشنطن بوست