المرأة والأم التي هزّت المهد بيد والعرش باليد الأخرى، نراها اليوم في مجتمعنا تضطر الى اقتحام مهن كانت حكرا على الرجال، ولكن بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعاني منها الشعب اللبناني، لا سيما في ظل انعدام فرص العمل وإقفال الأبواب في وجوه الكثير من السيدات اللواتي هنّ بأمس الحاجة الى العمل لتأمين لقمة العيش لدعم عائلتهن، وللتعويض في اغلب الأحيان عن غياب الأب والزوج وللقيام بتربية الاولاد الصغار، وفي غياب الجمعيات التي ترعى الأسر التي لا معيل لها، بات لزاماً على المرأة اللبنانية ان تقتحم مهناً لم تكن لتخطر على بال أحد، وذلك بعد أن سدّت في وجهها الوظائف التي يمكن أن تعمل بها في المجال الذي تخصصت به في الكثير من الأحيان۔

ولتحقق هؤلاء السيدات نجاحاً في كل المجالات التي قررن الخوض بها، وبالرغم من قساوة هذه الاعمال أحيانا، نرى أنهن ضربن بعرض الحائط كل الصعوبات وحققنا نجاحاً في أغلب المجالات التي قررنا الخوض بها، مع العلم أن المرأة اللبنانية برهنت في الكثير من الاعمال المكتبية والعلمية والثقافية والاجتماعية، وفي الطب والتعليم وغيرها من الاعمال، برهنت عن نجاح كبير، حتى أنها تفوقت في العديد من المجالات على الرجال، حتى أن بعض هؤلاء الفتيات او السيدات، بسبب ظروف حياتهن الشخصية، لم يعملن في المجال الذي تخصصن فيه بل نرى ان العديد منهن تحولن الى اعمال لم يكونوا يفكرون يوما القيام بها، مثل ورشة النجارة او ورشة ميكانيك السيارات او حتى قيادة سيارة التاكسي او الفان او في مجال تجارة الخضار واللحوم والعديد من الاعمال الاخرى التي تعودنا ان يقوم بها الرجال او الشباب۔

ولهذا، كان لنا لقاء مع بعض السيدات والفتيات اللواتي مارسنا مهن لم تخطر على بالهن يوما، ومن المتعارف عليها أنها مهن للرجال والشباب، ولعدم إحراجهن قمنا بتغيير أسماء بعضهن۔


سائقة تكسي


إيمان، في الـ33 من عمرها، تخصّصت في إدارة الأعمال، لكنها لم تعمل بشهادتها بسبب زواجها المبكّر قليلا كما تقول: «في أول الامر لم أحمل هم المصاريف المادية، لأننا كنا نعيش حياة زوجية طبيعية، لكن عندما انفصلت عن زوجي وامتنع عن تقديم المساعدة لي وللأولاد، اضطررت للعمل، وقد طرقت أبواب العديد من الشركات والمؤسسات التي يمكن ان اعمل باختصاصي، وبعدما لم أنجح في ذلك، ولكي أتمكن من تأمين مصاريف المعيشة لي ولأولادي وتعليمهم، قرّرت أن أشتري سيارة «تاكسي»، وقد أجرّتها في بادئ الامر، لكن ما كنت أتقاضاه من تأجيرها لم يكن يكفي، والسائق كان يستغلني ولا يعطيني المال كاملا، لذا قررت ان أقوم بالعمل بنفسي، ولم أكتف بنقل الركاب بل أصبحت أنقل التلاميذ أيضا، وقد كان الأهل سعداء جدا أن السائق إمرأة لأنها ستكون حريصة أكثر على أولادهم. اليوم أنا في حال أفضل، وأولادي بألف خير، وأصبحت أؤمن لهم احتياجاتهم دون الرجوع الى أحد حتى لأبيهم، كما أنني سيدة نفسي وأقرر حياتي وحياة أولادي بالطريقة التي تناسبنا۔

بداية كان الناس ينظرون إليّ باستغراب، لكني بعد فترة وجيزة اعتدت على الأمر، حتى أن الكثير من الاشخاص باتوا ينتظروني او يطلبوني على الهاتف، خاصة بعض السيدات اللواتي يرتحن بالتنقل معي من مكان الى آخر۔


صاحبة ورشة نجارة


مريم، كانت زوجة نجّار، إلا أنه توفي منذ عدة سنوات، وترك لها ثلاثة أولاد، وليس لهم من معيل غيرها، لذا قررت ان تعيد فتح ورشة النجارة مع العلم انها لا تعرف عنها شيئا، وقالت: «بداية لم أكن أعرف شيئا عن النجارة، الا ما يتحدث به زوجي أمامي، واحيانا كنت أذهب الى الورشة واتفرج الى بعض ما يقوم به، لكني عندما وجدت نفسي في الورشة وعليّ إنهاء بعض الالتزامات التي كانت على الورشة، احضرت أحد العاملين وقام بالعمل في الورشة، وقد تعلمت منه الكثير لدرجة انه كان يقول لي: إنك أفضل شخص علمته هذه المهنة، وبعد سنة ونصف او سنتين، اصبحت أقوم بأعمال الورشة بالكامل، لدرجة أني التزمت الكثير من ورش النجارة والموبيليا، واصبحت معروفة ضمن «معلمين الورش»، ولكن بالطبع لم يسلم الأمر من بعض الحوادث التي تعرضت لها أثناء عملي في الورشة، وهي دق مسمار في هذه اليد ومطرقة على الأخرى لكني تخطيتها كلها لأنه كان أمامي هدف، هو ان اقوم بعمل هذه الورشة وأؤمن كل متطلبات أولادي ليصبحوا شبابا ويمكن عندها إما ان يستلموا الورشة ويكملوا العمل بها، او يكملوا تعليمهم وأنا أكمل ما بدأته من بعد زوجي وأتحمّل المسؤولية كاملة۔


تحدّت الصعاب ولم تستسلم


إلهام، فتاة في الثالثة والعشرين من العمر، والدها لديه ملحمة، وهي أكبر إخوتها، وهم فتاتان وصبي في السادسة من عمره، وقد درست سكرتاريا وإدارة أعمال، وكانت تعمل في وظيفة تتقاضى منها خمسماية دولار في الشهر، لكن فجأة تغيرت حياتها، ووجدت نفسها مسؤولة عن عائلة مؤلفة من أربعة أشخاص، أمها وإخوتها الصغار، وذلك بعد أن توفي والدها، وأصبح ما تتقاضاه لا يكفي مصاريف البيت وتعليم إخوتها، لذا قررت أن تعيد فتح ملحمة والدها وان تعمل بها، مع العلم ان المسألة تتطلب جهدا لا يستهان به، وقالت: «لم يكن أمامي أي خيار آخر سوى الاستمرار في مهنة والدي، التي هي غير مألوفة بالنسبة للفتيات في لبنان، وقد واجهت الكثير من المصاعب في البداية الى أن أصبحت أعرف سر المهنة وكيفية التعامل معها ومع الزبون، وقد تعرضت للكثير من الانتقادات حتى من أقرب الناس إليّ، لكنني تمكنت من فرض نفسي واحترامي على الجميع وأصبح عندي اليوم زبائن يأتون خصيصاً لشراء اللحوم من ملحمتي، خصوصا عندما يعلمون ان المرأة عموما تهتم أكثر في عملها وتتقنه بشكل أفضل، وذلك من حيث الجودة والنظافة، وقد بات البعض من النساء يطلبون مني أن أحضّر لهم الشاورما والكبة الجاهزة للطبخ وبهذا أوفّر عليهم جهد كبير۔

وهكذا أكملنا حياتنا أنا وأمي التي كانت تساعدني كثيرا في الملحمة، لأنها كانت تعرف الكثير عن هذه المهنة من خلال خبرتها في المنزل ومع والدي، لانها كانت احيانا تساعده في العمل، ونحن الآن بأفضل حال ولم نمد يدنا لأحد أو نطلب شيئاً من أحد، فالعمل ليس عيباً بل أن تطلب من الآخرين هو العيب، خاصة إن كنت تستطيع أن تتّكل على نفسك۔


أخت رجال وشاطرة


سمارة، تعمل في الخضار منذ 17 عاما، وقد كوّنت اسرة وهي كما تقول الناس بقولوا عنها «إخت الرجال وشاطرة» وعلّمت اولادها حتى أصبح أحدهم مهندس، وفتحت للبعض الآخر ملحمة كبيرة، وهي تحضّر طلبيات للمطاعم والمنازل من شاورما وبفتاك واستيك وغيرها، والكثير من الناس يطلبون منها ان تحضّر لهم «الكمونة» للكبة، وتقول: لقد اعتاد الناس عليّ ويسألون عني دائما، وأنصح النساء أن تعمل وتجتهد ولا تستحي بعملها، لاني عملت واجتهدت وجاهدت كثيرا حتى وصلت الى ما أنا عليه اليوم، وعلى المرأة أن تعمل أي شيء بشرفها ولا تمد يدها لأحد، فهي قادرة على القيام بما تريد، وقد ربيّت أولادي حتى أصبح بعضهم مهندس، وأنا اذهب الى الحسبة «سوق الخضار»، في بيروت وصيدا وأقود «بيك آب» الذي أحمّل عليه ما أشتريه من خضار وفواكه لمحل الخضار الذي أملكه، وأيضا أساعد أولادي في العمل في الملحمة، والحمد لله ما زلت أعمل ولكني الآن مرتاحة، وقد ربيت أولادي بنفسي بعد وفاة زوجي وعندما كان أولادي صغار۔


مهندسة ميكانيك


سهام، درست في الجامعة وتخرّجت في هندسة الميكانيك، وهي الآن تعمل في ورشة ميكانيك سيارات، توسّخ يديها بالشحم وزيت السيارات، وتتعرض أحيانا لإصابات أثناء عملها في فك وتركيب قطع غيار السيارات التي تقوم بإصلاحها۔

تقول سهام: عندما كنت في الجامعة وأدرس هندسة ميكانيك السيارات، كان الكل في القاعة ينظرون إليّ ويقولون لي «ماذا ستفعلين بعد تخرجك هل ستصلحين السيارات او ستقومين بتصنيع سيارة مثلا»، إذ لم يكن يوجد من الإناث غيري في القاعة، ولكني تحديت نفسي ومن معي وتخرّجت ونجحت، ولكن عندما قررت الذهاب الى ميدان العمل واجهت مصاعب كثيرة، إذ لم يتقبل أحد من أصحاب الورش أن تعمل عنده فتاة بتصليح السيارات، عندها قررت أن أعمل بنفسي في مجال تصليح السيارات، فقررت أن أفتح ورشة ميكانيك سيارات۔

بداية استغرب الجميع من حولي الأمر وقالوا لي كيف ستعملين بهذا المجال وهو ليس عمل فتيات، ولكني لم أصغ اليهم، بل قمت بما أريد ونزلت الى ميدان العمل في تصليح السيارات، وأصبح الكثير ممن يصلحون سياراتهم عندي لا يذهبون لاحد غيري لأني أصلح السيارة بشكل جيد أفضل من أي معلم ورشة تصليح سيارات آخر ولأني استخدم خبرتي الجامعية وخبرتي التي اكتسبتها من خلال العمل الميداني، ولا أنكر أني في البداية واجهت المصاعب، لان الكثير لم يكن يثق ان فتاة ستصلح له سيارته بشكل جيد، ولكن بعد فترة سنة او اكثر بقليل، اصبحت مقصودة من الكثير من المناطق وانا اخترت الميكانيك الالماني، اي المرسيدس وال بي ام دبليو ونجحت والحمد لله، وبرهنت للجميع أنه لا يوجد عمل للرجال وعمل للنساء، بل كل الاعمال يمكن ان تخوضها المرأة، ولكن عليها ان لا تيأس۔


وأخيرا، هناك الكثير من المهن التي اقتحمتها النساء والفتيات، وهي مهن كانت حكراً على الرجال، وقد نجحن فيها، إما بسبب الظروف المعيشية التي أرغمن عليها، أو لعدم وجود وظائف تكفي لإعالتهن وتقديم حياة كريمة وشريفة لهن، او لإعالة عائلتهن، لأننا في بلد ليس فيه تأمين عائلي أو صحّي مشرّف، وعلى المرأة أن تقتحم كل ميادين العمل لتعيل عائلتها بعد وفاة الزوج او الأب أو بعد الطلاق خاصة إن كان هناك أولاد عليها إعالتهم وتربيتهم۔