يقع لبنان على البحر المتوسّط، ويُشكّل نقطة وصل بين الشرق والغرب، فهو بوّابة آسيا الى أوروبا وافريقيا كما العكس...

وموقعه هذا دفع باقتصاده الى الاعتماد على السياحة كأهمّ الركائز والدعائم...

كما يتمتّع لبنان بطبيعة جميلة وبطقس معتدل، ويتميّز بقرب الساحل إلى الجبل، ولطالما قيل «فيك تبرمو بنهار»!

كما يمتاز لبنان بمعالمه السياحيّة المتعدّدة التي تنتشر على مختلف أراضيه فلا تكاد تدخل مدينة أو منطقة إلّا وتجد فيها آثاراً تاريخيّة أو قلاعاً أو لوحات.

هيدا لبنان..

فعلاً هيدا لبنان أم!

أم ماذا يا ترى!

هذا هو لبنان فقط في كتب الجغرافيا...

هذا هو لبنان في حديث أساتذة الجغرافيا في الصفوف التكميلية وحتى الثانوية، والذين لا يُمكنهم قول غير ذلك...

وهل هذا لبنان الذي نحلم به؟

لا بل هذا لبنانهم هم، لبنان الوهم الذي أرادوه هم، وليس نحن

لبناننا واقعي وليس في الكتب

لبناننا، لبنان الحب والحرية والكرامة والتعايش

هكذا كان، وهكذا تعلمناه، وهكذا تربينا عليه

لبناننا أجمل من لبنانكم!

كيف لا، ولبنانكم تُديره عصابات القوي منكم يأكل الأضعف فيكم

وما قوتكم إلّا بالكلام غير المفيد!

نعم الكلام والتصاريح و»البروباغاندا» والدعاية!

والكلام من حيث المبدأ هو أساس التعامل مع الناس والعالم،

والكلمة أقوى سلاح ولا يُمكن الاستهانة بها...

فيمكن للكلمة أن تجمع، كما يُمكنها أن تُفرّق...

ويمكن للكلمة أن تُشعل حرباً كما يُمكنها أن تلمّ شمل أعداء تاريخيين...

أمّا الوزير من حيث التعريف، فهو رجلُ الدَّولة الذي يتمّ اختياره للمشاركة في إِدارة شؤون الدَّولة والناس، مختصًا بجانب منها...

ومن حيث المتطلّبات في كلّ دول العالم، فيجب على الوزير أن يكون مُلمّاً في شؤون الوزارة التي يُعيّن فيها...

أمّا في لبنان الوطن الوهم... فالطبخة تتمّ على أساس «هيدي الوزارة إلي وأنا بجيب مين بدّي»، ولا يهمّ مُلمّ أو غير ملمّ، «بيلقط الكار معو معو»

وهذا لا يقبله لا منطق ولا عقل ولكنّنا في بلد له منطقه الخاص، وكل فريق أو تيار او حزب يريد فرض منطقه وروحيته

وما لا يقبله المنطق أيضاً، أن يكون وزير السياحة في لبنان على ما هو عليه...

فالسياحة أهم دعامة للاقتصاد، ووزيرها كيدانيان يجب أن يكون وجه لبنان، فخر لبنان، يجب أن يكون لبنان في نظره الأوّل... ولكن وللأسف وجواباً عن سؤال عن أي بلد يُحبّ أكثر، لم يُجب بـ»لبنان»، بل قال «أرمينيا»...

أما أرمينيا فهي بلد نُكنّ له كلّ الاحترام والتقدير، ولكن من غير المعروف عنه انّ أبناءه بلا وفاء، لوطن قدّم لهم أرضه وأتاح لهم العيش بكرامة، بعد أن جزّر بهم وظُلموا على يد العثمانية المتوحشة يومذاك...

وفي السياق نفسه، ها هو منذ عدّة أيّام يعود ويُحمّل الاعلام مسؤولية تراجع القطاع السياحي في لبنان قائلاً: «الإعلام يُحبّ أن يقول إنّ لبنان مليء بالنفايات والبحر ملوّث، وإنّ البلد أغلى وجهة سياحية على الإطلاق. لقد دمّرتم صورة لبنان».

كما أعطى الوزير الفقيه في الكلام، والذي يملأ منصبه بكلّ وقار واحترام مثالاً عنصريّاً - طبقياً عن مصر أيضاً، فقال «أعني، أنظروا إلى مصر. هل هناك بلد متّسخ أكثر منها؟ الناس هناك صوتهم أعلى، وهناك زحمة مرور، ويعيش الناس في القبور. أوكي؟ لكن هناك سياحة، لأنهم يعرفون كيف يروّجون لبلدهم».

وكلّ ذلك لتبرير فشل الحكومات اللبنانية المتعاقبة في حل أزمة النفايات أو تراجع السياحة، كما أنكر مسؤولية الطبقة السياسية التي ينتمي إليها، مُحمّلاً المسؤوليّة كاملة للإعلام اللبناني.

ثمّ عاد وقصد السفارة المصرية ليعتذر عن هذا الكلام غير المقبول!

ولكن وقبل أن يُوزّع الضليع اتهاماته شمالاً ويميناً، هل توقّف لحظة ليسأل نفسه، لماذا تنجح مصر التي ينظر اليها حضرته بفوقية حيث يَفشل لبنان؟

هل سأل حضرة الوزير نفسه كيف يمكن أن تكون تكلفة ليلة واحدة في فندق في لبنان، تُعادل تكلفة 4 أو 5 أيّام سياحة في مصر؟

هل سأل نفسه ما هي الآليّة لفرض أسعار غير خياليّة على السياح حتّى يعودوا من جديد؟

هل سأل نفسه كيف ساهم الاستقرار الفظيع الناجم عن الفراغ الحكومي الذي سبّبه فريقه لجذب السيّاح أكثر!

وهل سأل نفسه ماذا فعلت مصر لتسهيل عمل الشركات السياحيّة هناك، بينما لم يقم حتّى بإعلان ترويجيّ؟

هل سأل نفسه كيف يُمكن لتكلفة غداء لعائلة في مناطق لبنانية مُعيّنة أن تتساوى مع سعر «التيكيت» الى اسطنبول، أو القاهرة؟

نعم كلّ الدول لديها مشاكل وأزمات...

نعم لبنان ليس الوحيد الذي يغرق في النفايات...

ولكنّ الفرق أنّ هناك من يأتي ليُصلح ويُرمّم، وهناك من يأتي لينهب...

هناك من يأتي ليُعيد الحياة الى قطاعات معيّنة، وهناك من يأتي ليُعيد لبنان الى العصر الحجري...

الفرق أنّ هناك من يأتي للسير بالبلاد الى الأمام، وهناك من يأتي لإغراق بلاده أكثر في المستنقع المقيت الذي استحدثه فريقه، وجنّد كلّ قواه لنشره على مستوى البلاد كلّها...

الفرق بأبسط الأمور أيضاً، أنّ هناك من يزن كلامه ويحسب حساب لكلّ كلمة قبل أن تخرج من فمه، ومن لا يزال بحاجة لدروس في الحساب واللياقة واللغة.. والكلام!

وأخيراً، لا تسألوا أبداً عن المنصب... بل اسألوا عمن يعتلي هذا المنصب، فالشخص هو الأسلوب، والظروف هي التي تؤكّد إذا كان مناسباً أم لا!

وللأسف، فالظروف التي انتظرناها أثبتت لنا باليقين ان كلمة «مناسب» لم تناسب معالي الوزير كيدانيان

بكل الحب والاحترام لمعاليه

اليان مارون ضاهر