تناولت وسائل الإعلام البريطانية مؤخرا خطاباً لكبير أساقفة كاتدرائية كانتربري، جاستن ويلبي، في مؤتمر لاتحاد نقابات العمال البريطاني في مدينة مانشستر، والذي هاجم فيه الرأسمالية والمؤسسات التجارية.

دعم ويلبي في خطابه بقوة نقابات العمال، لكنه عارض بشدة المؤسسات التجارية، والأثرياء، ومساعيهم لجني الأرباح على حساب الناس.

كما خص شركة "أمازون" بالنقد بسبب عدم إقدامها على دفع ضرائب عادلة من وجهة نظره (تناسب حجمها في السوق الأمريكي)، كما اعتبر اقتصاد العمل الحر شكلا من أشكال "تجسيد الشر القديم".

ويعتبر رئيس الأساقفة أن الرأسمالية شيء غير أخلاقي بطبيعته، وذلك لما تحمله من أفكار تتعلق بالسعي نحو تحقيق أرباح ضخمة، وعدم المساواة في الدخل.

وخلال السنوات الماضية، تبنى رجال دين آخرون أفكارا شبيهة بأفكار ويلبي. ففي عام 2015، انتقد البابا فرانسيس الرأسمالية والسعي الحثيث وراء جني المال.

وعلى نفس النهج، وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، كتب الأسقف روان ويليامز الذي تبوأ بعد ذلك مقعد كبير أساقفة كانتربري مقالاً نشرته مجلة بريطانية ينتقد فيه الرأسمالية.

وتُعتبر مثل هذه الآراء اللاذعة حول الأعمال التجارية وما تحققه من أرباح شيئا غير مألوف. وقد نُشِر بعض من هذه الأفكار المناهضة للتربح في مقال حديث بمجلة "الشخصية وعلم النفس الاجتماعي".

وقد توصلتُ في بحث أجريته مع بعضٍ من طلاب الدراسات العليا إلى أن البشر قد تصلهم صورة باهتة عن الأعمال التجارية، تدفعهم إلى تفسير كثير من الأمور الخاصة بالتجارة، مثل الزيادة في الأسعار والترويج للمنتجات، على أنها محاولات لاستغلال المستهلكين.

ينظر المستهلكون إلى الشركات والمؤسسات التجارية على أنها "كيانات واعية" تسعى لتحقيق الاستفادة منهم

لكن ما الذي يكمن وراء هذه الآراء؟ ولماذا يُعتبر سعي الشركات وراء تحقيق الأرباح أمرا خبيثا؟

نعتقد أن الإجابة تكمن جزئياً في طريقة نظر البشر لتلك المؤسسات التجارية وإدراكهم لمساعي هذه المؤسسات لتحقيق الأرباح.

وفيما يخص النقطة الأولى، فإن البشر ينظرون إلى الشركات والمؤسسات التجارية على أنها "كيانات واعية"، كأي كائن حي له أفكاره، ونواياه، ومشاعره، ودوافعه.

ووفقًا لأبحاث أجريت باستخدام أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، تبين أن أنماط الاستجابات العصبية التي نظهرها عند التفكير في مشاعر الآخرين وحالاتهم النفسية، لا يمكن تمييزها عن تلك التي نظهرها عند التفكير في سلوك المؤسسات أيضا.

وهذا يعني أنه من المرجح أن يعتقد الناس وبشكل واضح أن هناك دوافع بشرية محددة تكمن وراء سلوكيات الشركات وما تقوم به من أنشطة وأعمال.

وعطفاً على ذلك، ينظر المستهلكون عادة إلى معاملاتهم التجارية مع المؤسسات بوصفها عمليات صفرية، مثلها مثل تقاسم كعكة مع آخرين، إذ يعني حصول فرد على قطعة أكبر منها انتقاصا من رصيد الآخر.

وهذا يعني أنه يُنظر إلى عملية سعي الشركات خلف الأرباح على أنها تتم على حساب المستهلكين.

ولهذا السبب، أصبح مسعى الشركات للربح أمرا مربكا. إذ تنظر عقولنا للشركات على أنها كيانات واعية، وبالتالي فإن التربح والاستفادة من العملاء هما أمران متعمدان ينتهكان قاعدة مهمة من قواعد السلوك بين الناس، إذ ينظر الناس بازدراء لمن يسعى لتحقيق استفادة ما على حساب شخص آخر.

هاجم كبير أساقفة كاتدرائية كانتربري في بريطانيا، جاستن ويلبي، الرأسمالية والمؤسسات التجارية خلال مؤتمر إتحاد نقابات العمال

وقد توصلنا في بحثنا أن كثيرا من العمليات التجارية تُفسر في إطار هذه القاعدة الأخلاقية: مثل زيادات الأسعار، وعروض التخفيضات لأشخاص بعينهم، بالإضافة إلى توصيات الشراء وحتى الترويج للمنتجات.

هذه النظرة لا تتوقف حتى وإن لم يقدم الناس على شراء بضائع أو منتجات معينة من إحدى الشركات، وبالتالي عدم تحقيقها أرباحا منهم. فمجرد سعي المؤسسة نحو تحقيق أرباح يدفع بعض العملاء إلى إظهار استجابات سلبية.

حتى موظفي المبيعات مشتبه بهم!

وبخصوص عمليات البيع، تبين لنا أن الأمر أكثر تطرفًا، إذ أن الزبائن يعتقدون أنه خلال ترويج موظفي المبيعات لمنتجات شركاتهم، فإن تلك الشركات تستهدف تحقيق الربح على حساب مصلحة هؤلاء الزبائن.

لكننا لم ننظر في بحثنا هذا إلى الاستراتيجية التي ستتبعها الشركات لتلطيف حدة نظرة العملاء تلك، أو ما إذا كانت هناك قدرة على ذلك من الأساس.

وإذا كانت نتائجنا هذه لها قدر من الأهمية، فإن بعض القراء قد يرون أن ردود فعل العملاء هذه مشروعة ولا ينبغي مواجهتها.

ومع هذا، فإننا نرى أن عملية الشراء هي قرار المستهلك، فلا توجد شركات تدفع المستهلكين دفعًا ضد إرادتهم لشراء منتجاتها.

علاوة على ذلك، فإن الأعمال التجارية تتحمل الكثير من المخاطر في سبيل تقديم المنتجات للمستهلكين؛ فالمنتجات التي تتيحها لنا الشركات غالبًا ما تكون ذات قيمة رائعة في حياتنا.

وفي نهاية المطاف، يعتبر تحقيق الأرباح هو الهدف الأساسي لإنشاء الشركات، وتقديم المنتجات. وإلا، فما هو الغرض من تدشين الأعمال التجارية؟

المصدر: بي بي سي