نهر الليطاني، هو النهر الأطول والأكبر في لبنان حيث يبلغ طوله 170 كلم، وقدرته المائية تبلغ تقريبا حوالى 750 مليون م3 سنوياً، وينبع من منطقة العلاق شمالي بعلبك، ويخترق كامل البقاع وجزءا من جنوب لبنان، وقد أقيمت عليه المشاريع والدراسات للاستفادة منه في إنتاج الطاقة الكهرومائية وتأمين مياه الري والشرب للبقاع والجنوب والساحل بهدف تنمية القطاع الزراعي والكهربائي والحد من النزوح والهجرة الى المدينة، تحوّل إلى مشكلة بيئية على طول مجراه، إذ تغيّر لون المياه العذبة فيه إلى الأسود ليصبغ المنطقة بلون جديد من الحرمان والإهمال الذي يطال هذه المرة صحة المواطنين ويعرّضهم لمزيد من الأمراض السرطانية وغيرها، إضافة إلى ري المزروعات بمياهه الملوثة، وهو الآن مهدد بـ"الموت"۔

منذ سنوات وهذا النهر يبتلع السموم من كل الأنواع، الكيميائية والعضوية والصناعية، لا بل الرملية منها أيضاً، دون ان يلتفت إليه أحد ويمد له يد العون والمساعدة لانقاذه، على الرغم من زنه شريان حياة اللبنانيين ومصدر رزق الكثير منهم، حتى وصل الى مرحلة "الموت السريري"، وبات بحاجة الى مشروع كبير ومعقد تقنياً لتنظيفه۔ ويجب متابعة هذا المشروع وفي اسرع وقت ممكن وهو شق قناة 800 التي تمتد من البحرية عبر أقبية الجنوب في البقاع الغربي، حاصبيا ومرجعيون، وصولا الى قضاء بنت جبيل على طول 58 كلم، واذا لم تنظف لا تتم الاستفادة من هذه القناة۔

والمعروف أنه بعد أن تحرك الاعلام ومن بعده مجلس الوزراء في محاولة لانقاذه ومعاودة ضخ النبض فيه، تشكلت لجنة وزارية لمتابعة حالته، واتخذت قرارات لرفع الملوثات عنه وحمايته، وبالرغم من هذا، لا يزال نهر الليطاني الى الان يعاني من تآمر الكثير عليه من أصحاب المصانع والمعامل والبلديات التي حولت بعضها الصرف الصحي في بلداتها الى مصب النهر۔

إن مشكلة تلوث نهر الليطاني لم تكن وليدة صدفة، أو إهمال بعض المواطنين فقط، بل هي مشكلة الدولة التي قامت بمد مجاري الصرف الصحي من عشرات القرى بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية باتجاه مجرى الليطاني، وهي القرى التي كان من المفترض ان تستفيد من هذا المشروع اصبحت ضحية له، لانه لم يتم استكمال المشروع لأسباب عديدة ليس المجال لذكرها الآن۔

وبحسب النائب علي فياض، فان النهر يعاني من مشكلتين، وقد شرح انه "يجب التمييز بين المشكلة التي ترافقه من النبع حتى بحيرة القرعون وهي متفاقمة لانه فعليا لم يعد هناك نهر، بل مجرور كبير ينقل الملوثات العضوية والكيميائية والصناعية، فتتدفق الى بحيرة القرعون التي تواجه مشكلة الموت السريري وهي بحاجة الى مشروع معقد تقنيا لتنظيفها۔


ويضيف النائب فياض "ان القسم الثاني من النهر الذي يمتد من البحيرة حتى المصب في القاسمية، ويمر في أقبية البقاع الغربي، حاصبيا، مرجعيون، النبطية، صور، وهذا الشق من النهر يتعرض للتلويث من ناحيتين، من ناحية المرامل التي ادت الى ترسبات كبيرة في قاع النهر، موجودة فلي صورة أساسية في قضائي حاصبيا ومرجعيون، حيث توجد في بعض الأماكن قشرة الطمي التي تتراوح بين 10 و20 سنتم في قاع النهر، وفي بعض الأماكن تتجمع بالأمتار كما هو الحال في مشروع الطيبة، على الرغم من أن القسم الأكبر من المرامل أُوقف نتيجة الحملة التي قمنا بها، وتشكيل لجنة من الوزراء المختصين واتخذ بذلك قرار يطلب من وزير الداخلية تنفيذه، ومع ذلك العكر في مياه نهر الليطاني لم ينتهِ كلياً"۔

ومن أهم الملوثات التي تصب في نهر الليطاني هي: مياه الصرف الصحي والنفايات التي تطلقها المدن والمجمعات السكانية، المياه والفضلات التي تطلقها المصانع العائدة لتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية مثل "معامل الاجبان والكونسروة ومعامل المحارم الصحية، معامل السكر، مزارع الدواجن والمسالخ وغيرها"، وهناك أيضا الاستعمال المتمادي للمبيدات والمخصبات والأدوية الزراعية التي تساهم بشكل مباشر في رفع معدل الآزوت والمعادن الثقيلة في مياه الخزان الجوفي، نفايات المستشفيات، والنفايات الناجمة عن مخيمات النازحين۔

وبالعودة إلى المصادر التي تسبب تلوث نهر الليطاني الأوسط والأعلى، فإنّها وبحسب التقرير الصادر عن وزارة البيئة في العام 2016 تتوزع على الشكل الآتي:

أسباب تلوث حوض الليطاني الأوسط والأعلى (وزارة البيئة 2016)

الحلول المطروحة للمعالجة

وزير الصناعة في حكومة تصريف الأعمال الدكتور حسين الحاج حسن، وفي اتصال معه لموقع "الديار الالكتروني" قال: ان العمل على تفادي انتقال التلوث من بحيرة القرعون في البقاع الغربي على طول مجرى النهر وصولا الى المصب في الجنوب، يتطلب اتخاذ اجراءات سريعة ومستويات عديدة، أهمها:

معالجة الصرف الصحي، وذلك عبر إقامة محطات التكرير في المناطق الغير موجود فيها محطات تكرير والاسراع في إنشائها، وإعادة تشغيل المحطات المتوقفة عن العمل في زحلة وايعات وغيرها۔


الاجراءات التي اتخذت بحق المخالفين هل تكون رادعة؟

اما على صعيد الاجراءات التي اتخذت للتخفيف من التلوث البيئي لنهر الليطاني، فقد أعلنت وزارة الصناعة عن عدة اجراءات، حيث قال الوزير الحاج حسن: "اتّخذت وزارة الصناعة اجراءات تصاعدية بحقّ المصانع المخالفة" وهي كالتالي:

- تنبيه الى 261 مصنع مرخص

- طلب تسوية وضع 117 مصنعاً غير مرخص

- اصدار قرار باقفال موقت لـ 27 مصنعاً

هذا ووضعت وزارة الصناعة امكانات المهندسين والفنيين فيها لمساعدة الصناعيين على الالتزام بالمعايير المطلوبة بالسرعة القصوى والعمل وفق الشروط الفنية والبيئية المفروضة قانوناً.

واضاف الوزير الحاج حسن، "في هذه المناسبة أدعو الى القيام بكشوفات منهجية مشتركة بين الوزارات والمؤسسات والاجهزة المعنية على المؤسسات الصناعية المرخّصة وغير المرخّصة من اجل الاطلاع على اوضاعه"ا.

وقد أعلن الوزير الحاج حسن إغلاق 79 مؤسسة صناعية غير مرخص لها في البقاع ومتهمة بالمساهمة في تلويث نهر الليطاني، وتنبيه 72 مؤسسة مرخصاً لها بغية إلزامها بشروط الترخيص القانوني والبيئي والصحي تحت طائلة الإغلاق، فالنهر الذي تحول، وفق توصيف "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني"، إلى "قناة ضخمة للصرف الصحي" لا يزال يشهد تعديات هائلة عليه، مما يؤدي إلى تفاقم اعداد مرضى السرطان في البلدات والقرى المحيطة به في شكل غير مسبوق.

وكانت الوزارات المعنية و"مصلحة الليطاني" قد وجهت لمئات المصانع التي تتعدى على النهر قد وجهت تنبيهات لكنها لم تنفع معهم، ولا حتى الإخبار الذي تقدمت به المصلحة للنيابة العامة المالية نهاية الشهر الماضي بوقف هذه التعديات، ما دفع وزارة الصناعة إلى الإعلان عن إغلاق 79 مصنعا غير مرخص له من اصل 117 وجهت إليها قرارات للتقدم بطلبات تسوية اوضاعها، "وتساهم بالتلويث البيئي عامة وبتلويث نهر الليطاني خصوصا"۔

وكان الوزير الحاج حسن وضع المعادلة التالية: "لا يجوز اقفال مصنع لا يلوّث ولا يجوز ترك مصنع يعمل وهو يلوّث. الاقفال لأي مصنع هو اقفال موقت وافراديّ خاضع لتحقيق وكشف ميداني ومتابعة. لا يوجد منطق ولا نصّ يقول بالاقفال الجماعي. قرارات التنبيه تعدّ بشكل جماعي. قرارات الاقفال تصدر بشكل افرادي."


مدير عام "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني"

من جهته مدير عام "المصلحة الوطنية لنهر الليطاني" سامي علوية، قال "ان خطوة وزارة الصناعة تأتي في الاتجاه الصحيح إذا اقترن قرار الإقفال بالإقفال الفعلي"، واضاف "أن هناك 600 مؤسسة غير مرخصة، بين مؤسسة صناعية ومؤسسة مصنّفة، تقتضي مقاربتها وإقفالها، وهناك مؤسسات مرخصا لها تقوم بتلوث النهر ايضا يوميا، والمطلوب إقفالها لا إمهالها"۔ أما بالنسبة للاخبار الذي تقدمت به أيضا "مصلحة الليطاني" والتي أشارت فيه الى مخيمات النازحين السوريين والتي تم إنشاؤها على ضفاف النهر، ما جعله مصرفا للصرف الصحي ومكبا للنفايات، خصوصا في ظل إقدام المتعهدين المكلّفين بنقل مياه الصرف الصحي بواسطة الصهاريج من المخيمات، على تصريفها في النهر مباشرة"۔

هذا مع العلم أن التلوث الحاصل في نهر الليطاني أصاب العديد من أصحاب المقاهي والمطاعم التي هي على ضفاف النهر والتي يقصدها المواطنون من البقاع الى الجنوب، أصابها بالشلل والاقفال، ما تسبب بتشريد الكثير من العمال بسبب الركود الحاصل والاقفال، والتسبب بأزمة اقتصادية وبيئية جديدة، كان المواطنون بغنى عنها لو أن الدولة انتبهت للأمر منذ البداية ولم تجعل الامور تتفاقم وتصل الى هذا الحد الكبير من التلوث، إذ أن المواطن بات يسأل عن الخضار التي يأكلها وكيفية ريّها، وذلك بعد تفاقم امر التلوث في الليطاني والازياد في نسبة السرطان بين المواطنين في البقاع والجنوب بشكل خاص ولبنان بشكل عام۔


السؤال المطروح الآن هل سيكون هناك فعلا حل جذري لمعالجة التلوث الخطير في نهر الليطاني، وكم سيستغرق من الوقت، وهل وصلت الأمور حقاً الى "الموت السريري"، وهل ستكون هناك متابعة جدية من الدولة والوزارات المعنية، ام ان الامور ستنتهي كغيرها من المشاكل المتفاقمة في البلد ويطوى الملف مع الوقت، كل هذه الأسئلة المشروعة ستكون مرهونة بمرور الزمن وبمدى جدية متابعة الملف من قِبَل النواب المعنيين والوزراء ومن ورائهم الدولة بشكل عام والمواطنين بشكل خاص لما لهم من دور كبير في معالجة التلوث الحاصل في نهر الليطاني۔