يطالعنا الغرب والامريكان خاصة، وبشكل دائم عن انجازاتهم العلمية والتكنولوجيا وعما توصلوا إليه من أبحاث علمية واختراعات، ويفاخرون دائما بغزوهم للفضاء ووصولهم الى القمر ثم المريخ واكتشاف بعض الكواكب الاخرى والحديث عن المجرات، ويتباهون امام العالم العربي خاصة انهم هم أمّ الحضارة وأبيها، وأنه لولا أدمغتهم النابغة وعلومهم وعلمائهم، لما كان للعالم وجود، ولما وصل العالم الى ما وصل اليه الان من تقدم وتقنية واتصالات عبر الاقمار الاصطناعية۔

ليس بمقدور أحد أن ينكر للغرب هذا التطور العلمي والتقني والتكنولوجي، لكن هذا العالم المتقدم والحضاري، نسي أنه أول من اكتشف أهم العلوم التي يتفاخرون بها الان من علم الفيزياء الى الكيمياء الى الرياضيات الى الطب الى علم الفلك والكواكب والنجوم والى علم الذرة وغيرها من العلوم، هم العرب، العلماء العرب ومنذ مئات السنين وصلوا الى هذه الابحاث والعلوم ووضعوا أسسها وقواعدها۔

نعم، هذا ليس مجرد كلام مبالغ فيه، بل ان الغرب الى الآن يدرّس في جامعاته طب ابن سينا ورياضيات جابر ابن حيان وطب الرازي وعلم الذرة وغيرها من العلوم التي اكتشفها العلماء العرب۔ هم من وضعوا الأسس لكل هذه العلوم والتقنيات، ولكن للأسف عرب اليوم هم غير عرب الأمس۔ بالامس كانوا السباقين الى الاكتشافات والعلوم، اما اليوم باتوا ملحقين وتابعين، وتناسوا أمجادهم التي سرقها منهم الغرب وطوّرها ونسبها إليه۔

العرب اليوم يتصارعون فيما بينهم، ويدمرون حضارتهم بأيديهم، لقد جعلهم الغرب ألعوبة بيده ونشر الفتن والحروب بين الاخ وأخيه، ووضع استراتيجية «فرّق تسُد»، ونشر بينهم القتال المذهبي والطائفي، واستغل عنجهية بعض الحكام العرب، ونشر بدعة «الربيع العربي» التي دمّرت كل القيم والمبادئ الاخلاقية والفكرية وأظهرت العرب كأنهم حفنة من الرعاع وليس لهم أي تاريخ، ونشروا التكفيريين والارهابيين في أغلب الدول العربية وبهذا يضع الغرب يده على خيرات ومقدرات وثروات هذه البلاد بحجة الدفاع عنهم وحمايتهم، ويقومون ببناء حضارتهم المزيفة على أنقاض حضارة العرب وعلومهم وثقافتهم، بعد أن زرعوا الحقد والكراهية بين الشعوب والبلدان العربية، لا بل حتى في المجتمع الواحد والبلد الواحد۔

ومن أبرز العلماء العرب: أبو يوسف الكندي، أبو بكر الرازي، ابن سينا، ابن الهيثم، أبناء موسى بن شاكر، الخازني، البيروني، وغيرهم، ويصعب حصرهم، وقد أسهم هؤلاء جميعا في تطور علم الفيزياء بفروعه المختلفة بنسب متفاوتة.

ابن سينا، وهو الذي أبدع في علومه وألف ما يقارب مائتين وخمسين مؤلفا بين كتاب ورسالة ومقالة وذلك في الرياضيات المنسق، الاخلاق، الطبيعيات، الطب، الفلسفة، وأهم انجازاته في الطبيعيات هو في «مجازل الميكانيكا»، حيث بيّن أنواع القوى، وعناصر الحركة، ومقاومة الوسط المنفوذ فيه، تلك المقاومة التي تعمل في إفناء الحركة.

وقد قسّم القوى إلى ثلاثة أنواع، فبيّن أن هناك قوى تعيد الأجسام إلى حالتها الطبيعية إن هي أبعدت عنها، سماها القوى الطبيعية، وهي التي نعرفها اليوم بقوة التثاقل أو الجاذبية الأرضية، والقوة الثانية هي القوة القسرية، التي تجبر الجسم على التحرك أو السكون، والقوة الثالثة هي القوة الكامنة في الفلك العلوي، وهي تحرك الجسم بإرادة متجهة، حسب قوله.

وتؤكد النصوص أن ابن سينا كان السبّاق إلى القانون الأول للحركة قبل ليوناردو دافينشي بأكثر من أربعة قرون، وقبل جاليليو جاليلي بأكثر من خمسة قرون، وقبل إسحق نيوتن بأكثر من ستة قرون.

كما اكتشف أن معاوقة الوسط الذي يتحرك خلاله الجسم تؤدي إلى إبطال الحركة فيه، كما قال في كتابه «الإشارات والتنبيهات»: «لا يجوز أن تكون في جسم من الأجسام قوة طبيعية تحرك ذلك الجسم إلى بلا نهاية»، وهو يسبق بذلك ليوناردو دافينشي، الذي ذهب إلى هذا المذهب في عصر النهضة الأوروبية.

أبو الريحان البيروني، فقد ترك ما يقارب المائة مؤلف حول حقول التاريخ والرياضيات والفلك وغير ذلك، واهم آثاره تتمثل فيما يلي: اكتشف طريقة لتعيين الوزن النوعي، كما قام بدراسات نظرية وتطبيقية على ضغط وتوازن السوائل، وشرح كيفية صعود مياه الفوارات والينابيع من تحت إلى فوق، وكيفية ارتفاع السوائل في الأوعية المتصلة إلى مستوى واحد، على الرغم من اختلاف أشكال هذه الأوعية وأحجامها، وقد نبّه إلى أن الأرض تدور حول محورها، ووضع نظرية لاستخراج محيط الأرض.

بنو موسى بن شاكر، اشتهر بنو موسى بن شاكر؛ محمد وأحمد والحسن في مجالات علمية متعددة، منها: الفلك، الرياضيات، الهندسة، الميكانيكا، فمثلاً: محمد بن موسى اهتم بدراسة وتطوير علم الفلك، والرياضيات، والفلسفة، وعلم طبقات الجو، كما أسهم في الميكانيكا۔

عبدالرحمن الخازني، عالم رياضي فلكي من أبناء القرن الرابع الهجري، ألّف العديد من الكتب مثل: «زيج الصفائح»، و«المسائل العددية»، وقيل إنه أول عالم حلّ المعادلات التكعيبية هندسيا، بواسطة قطوع المخروط، كما بحث في المثلثات على أنواعها.

وفي علم الكيمياء أيضا أبدع العرب وقد اشتهر العديد منهم وتركوا انجازات كبيرة وضخمة لا تزال تستعمل في عالم الحالي ومن أهمهم:

جابر بن حيان، من اشهر علماء الكيمياء العرب، يعتبر المؤسس لعلم الكيمياء بلا أيّ منازع، قام ببناء معلوماته بناءً على التجارب مع الاستنتاج العلمي، وهو من قام بتفسير الظاهر عبر المشاهدة كفرض، ثم أخذ من هذا الفرض النتائج النظرية البحتة، وعاد بالنتائج المأخوذة إلى الطبيعة كي يثبت صحة أو خطأ المشاهدة، لتتحول تلك النتائج إلى قانون علمي۔

عز الدين الجلدكي، أول من أشار الى الخطر الكبير من استنشاق الانسان للغازات السامة الناتجة عن التفاعلات الكيميائية۔ ومن أهم كتبه «التقريب في أسرار تركيب الكيميائي» واعتبر موسوعة كيميائية علمية۔

أبو بكر الرازي، من اشهر علماء الكيمياء العرب، كيميائي وطبيب وصيدلاني كما أنّه فيلسوف مسلم ۔ ألّف الرازي كتاب «سر الأسرار في الكيمياء» الذي يقدم طريقة تحويل المواد رخيصة الثمن إلى ذهب، بالإضافة إلى تأليفه لكتاب التدبير الذي يحتوي على طرق تحضير المواد الكيميائية والأدوات التي يجب استخدامها.

عبدالله التميمي، أيضا من أشهر علماء الكيمياء العرب عرف باكتشافه عدة طرق لتحويل المعادن الرخيصة الى معادن ثمينة، ولديه العديد من الرسائل الخاصة بالكيمياء مثل «رسالة في البيان» و«رسالة في معاني التركيب الكيميائي»، و«رسالة صفاء جسم الانسان»۔

وهناك العديد والكثير من العلماء العرب الذين تركوا إرثا كبيرا من العلوم والابداعات والاكتشافات، في علم الطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها، لكن للأسف كل هذا الكم من العلوم والاكتشافات، لم يستثمرها العرب فيما بعد، بل أخذها الغرب وطوّرها وادعى انه هو من قام بهذه الاكتشافات، مع العلم ان العلماء العرب هم أول من تكلم عن علم الفلك والكواكب والنجوم، وهم اول من وضع قانون الجاذبية وعلم المخروط۔

هؤلاء النوابغ العرب لم ينقرضوا، بل ظهر الكثير والعديد من العلماء ومن خيرة شبابنا، وخاصة نحن في هذا البلد الصغير لبنان الذي برز منه العديد من العباقرة والعلماء في الطب والفيزياء وغيرها۔

الغرب وصل الى القمر والمريخ وغيره، وذلك بفضل الدراسات الاولية التي قدمها العلماء العرب وخاصة علم الفلك والذرّة والعصر النووي الذي نعيشه حاليا۔ لقد استغل الغرب كل علوم واكتشافات العرب وطوّرها واستفاد منها في كل المجالات العلمية والطبية والتكنولوجيا، بينما العرب منشغلون في بوتقة الصراعات والحروب۔

إن منطقة الشرق الأوسط تعيش في صراع وجودي كبير، وفي نزاع مخترع من قبل الغرب، وهو «الربيع العربي» الذي دمّر معظم الدول العربية وحولها الى أشلاء، وهجّر معظم أبنائها الى أوروبا وامريكا ومنهم العلماء والمثقفين الذين قدموا علمهم وخبرتهم الى الدول التي هجّروا إليها، وساهموا بتطور وتقدم تلك الدول من خلال علومهم وخسرتهم بلادهم۔

لقد كان العرب أسياد العالم في الماضي من فكر وعلوم وفن وثقافة۔

أما اليوم، وبكل أسف، العرب يبكون على الاطلال۔ يشحذون من الغرب حتى رغيف خبزهم۔

وكما قال الفيلسوف جبران خليل جبران: «ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين، ويل لأمة تلبس مما لاتنسج، وتأكل مما لاتزرع، وتشرب مما لاتعصر، ويلٌ لأمة تحسب المستبد بطلا، وترى الفاتح المذل رحيما ً، ويلٌ لأمة لا ترفع صوتها إلاّ إذا مشت بجنازة، ولا تفخر إلا بالخراب ولا تثور إلا وعنقها بين السيف والنطع ..ويلٌ لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن الترقيع والتقليد. ويلٌ لأمة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعة بالصَّفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير. ويلٌ لأمة حكماؤها خُرس من وقر السنين، ورجالها الأشداء لا يزالون في أقمطة السرير. ويلٌ لأمة مقسّمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة»۔