كانت سلام، الطفلة السورية التي تبيع العلكة كل النهار في إحدى شوارع المدينة، تأكل السكر الذي يقدم مع القهوة في ظرف ورقي صغير في إحدى المقاهي المعروفة، وتتنقّل بين الطاولات في الخارج كمن يبحث عن شيء، وقالت بعد سؤالها عن مصدر السكر، أن أحداً من الناس أعطاها إياها، علماً أنها هي من أخذتها عن الطاولة.


كانت تأكلها بلذّة شديدة، ترفع رأسها وتحاول إسقاط حبات السكر في فمها، والبسمة على وجهها، لأنها جائعة ولم تأكل منذ الصباح الباكر. وعلى الأسئلة الأخرى فلم ترد عليها والسبب مجهول أو ربما "لأنهم" أفهموها ذلك.


بالنسبة للسّكر، كم هو قاسي هذا المشهد، وخصوصاً بعدما ترى نفسك في اشمئزاز من السكر لأنك قادر على شرائه بالأطنان من دون تفكير، فيما هذه الصغيرة تحاول "لملمة" ظروف السكر عن الطاولات لتشبع منها ولتعبئة جسمها بالمغذيات حتى تتمكن من الوقوف طيلة النهار على رجليها وتمشي يميناً ثم شمالا لتبيع العلكة ولتصل إلى "المبلغ" الموصى الحصول عليه!


تخيّل أنه من أرخص المواد الغذائية، وأن هذه الصغيرة أسعدتها كمية قليلة لا تساوي ملعقة طعام وزرعت البسمة على وجهها المشرق بالحياة والأمل. ونحن لا نستعمله في الأصل كثيراً، لأننا شبعنا منه حتى وصلنا إلى مرحلة "القرف" منه أو من كثرته! لأننا يمكننا شراؤه بكل سهولة ومن دون تردّد لأن ثمنه "خفيف" علينا، فيما هو "ثقيل" على غيرنا!


فيما نحن نجوب كل يوم من مطعم لآخر لتناول السّوشي والمأكولات الشهية باهظة كانت أو لم تكن، ها هي سلام تجوب أيضاً بين طاولات المطاعم لتجد شيئا تأكله وتتذوّقه. ربما هي محظوظة وقد وجدت سكر، لكن يمكن أن يكون البعض الآخر الذي يعاني من الفقر الشديد يحلم بحبّة سكر واحدة ليعرف طعمها ويعيش السعادة للحظة!


كم هو ظالم هذا الواقع المرير، وكم هم كثُرٌ الناس الذين يعانون من الجوع والفقر والعوز والحاجة... فهل سنتخلّى يوماً عن التباهي بالماديات؟ وهل سنلمح يوماً النعم الكثيرة التي وُهبت لنا والتي لم تُمنح لمن هم بأمسّ الحاجة لها؟