إلى جانب تداعيات الحروب والمشاكل الجيوسياسية، تتأثر بلدان الشرق الأوسط بالتغيرات المناخية المتعلقة بدرجات الحرارة التي ما فتئت ترتفع بشكل مستمر.


يعمل جسم الإنسان مثل مبادل حراري متقن يحافظ على درجة حرارة ثابتة، وتتراوح درجة حرارة الجسم البشري بين 36.5 و37.5 درجة مئوية. وعندما تؤدي الحرارة الخارجية إلى ارتفاع درجة الحرارة الداخلية يبدأ الجسم بالتعرق. وعن طريق عملية التبخر، يتسبب العرق في تبريد الجسم مما يساعده على تعديل درجة حرارته وإعادتها إلى مستواها الطبيعي، أي 37 درجة مئوية.

لكن، تبدأ المشكلة عندما يتعرض الجسم لفترات طويلة لدرجات حرارة مرتفعة، ما يؤدي إلى تراجع أداء المبادل الحراري، ألا وهو الجلد. ولأخذ قسط من الراحة، يجب أن تبحث عن مكان ظليل وبارد، وإذا كان ذلك ممكنا، فلا تقلق ستعود درجة حرارة جسمك إلى مستواها العادي وسيتعافى الجلد.

لسوء الحظ، من بين إحدى الظواهر التي تواجه دول الخليج العربي ارتفاع درجات الحرارة بصفة مستمرة. ففي هذه المنطقة، لا تنخفض درجات الحرارة بما فيه الكفاية، وخاصة في الليل، ليتمكن جسم الإنسان من الحصول على الراحة اللازمة. وفي نهاية شهر حزيران/ يونيو من هذه السنة، صُنفت مدينة قريات الواقعة في سلطنة عمان، المدينة ذات أعلى درجة حرارة صغرى؛ فلمدة 24 ساعة متتالية لم ينخفض مقياس الحرارة إلى ما دون 42.6 درجة مئوية.

في مثل هذه الظروف المناخية، سيصاب جسم الإنسان باختلالات وظيفية، خاصة إذا لم يتمكن في غضون ساعات من إيجاد مكان تكون فيه درجات الحرارة معقولة أي أقل من 37 درجة مئوية. في هذه الحالة، تصبح مسام الجلد غير قادرة على تنظيم عملية التعرق بشكل صحيح. وحتى عندما يكون المناخ رطباً ويستمر الجسم في التعرق بغزارة، لا يعود بإمكان عملية التبخر تبريد الجسم، ناهيك عن أن شرب الماء لن يخفف الإحساس بالعطش، وهذا يساهم في بداية ارتفاع درجة حرارة الجسم.

على بعد 60 كيلومترا شمالا، توجد ثاني أكبر مدينة في العراق البصرة، التي تضم أكثر من 2.5 مليون نسمة. وعلى الرغم من أنها العاصمة الاقتصادية للعراق، إلا أنها تعاني من الفقر المدقع والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، فضلا عن افتقارها للخدمات الأساسية تقريبا. ومن هذا المنطلق لسائل أن يسأل: كيف يتصرف سكانها لمقاومة حرارة مماثلة لا تختلف عن حرارة مدينة مطربة سوى ببضع درجات؟

لابد من الإشارة إلى أن موجات الحر تتسبب سنويا في موت الكثيرين المنتمين للفئات المستضعفة والمهمشة، وهم الفقراء، والمسنين، والرضع، وأولئك الذين يعيشون بمفردهم. وخير مثال على ذلك موجة الحر التي عرفتها فرنسا خلال شهر آب/ أغسطس من سنة 2003، حيث ارتفعت الحرارة حوالي خمس درجات مئوية فوق المعدل الموسمي. وقد تم تسجيل زيادة في الوفيات بلغت 15000 حالة وفاة، ولكن الأمر استغرق عدة أشهر للتوصل إلى هذا التقرير. أما خلال الأسابيع الحرجة، تم تجاهل هذه الظاهرة أو التقليل من شأنها.

عادة ما يعتبر العمر أو الحالة الصحية أو الظروف المعيشية من أسباب وفاة أكثر الفئات عرضة للحرارة، التي يتجاهلها المجتمع أكثر من غيرها، في حين أنها في الحقيقة ليست إلا نتيجة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة وغياب إجراءات التخفيف منها. وإذا كانت موجات الحر مجرد ظاهرة جوية نادرة، فهذا لا يعني تجاهلها. وفي الواقع، يقول البعض "إن الجو حار، ماذا في ذلك؟ إنها فترة وستمر!"، ولكن الشعور بالقلق وفهمنا للمناخ والتغيرات المناخية وكل ما يمكن أن يترتب عن ذلك سيحول دون تجاهلنا لهذه الظاهرة.

في الواقع، ليست موجات الحرارة مجرد فترات عابرة، لأن درجات الحرارة سوف تتضاعف في المستقبل. ففي العقد الماضي، عرفت روسيا (سنة 2010)، وأمريكا الشمالية (سنة 2012) وأستراليا (2012-2013) والصين (سنة 2013) موجات حر غير طبيعية. وبناء على ذلك، يعتبر الشرق الأوسط حالة خاصة لأن الطقس هناك حار بالفعل وسوف يزداد سوءاً، إلى درجة أن العيش سيصبح صعبا أكثر وشبه مستحيل في هذه المنطقة ذات المناخ القاسي.

وصلت إيران والعراق تقريباً إلى درجة حرارة مماثلة خلال سنة 2017. ولكن كل التدابير المتخذة لا تأخذ بعين الاعتبار عامل الرطوبة، الذي يلعب دورا مهما

وفقا لمعهد "ماكس بلانك"، ستزيد درجات الحرارة خلال فصل الصيف في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بحلول سنة 2050، بمعدل أسرع مرتين من المعدل العالمي. وستكون موجات "الحرارة الشديدة"، التي تفوق 46 درجة مئوية، أكثر بخمس مرات مقارنة ببداية القرن الحادي والعشرين، ما يعني أنها ستحدث بمعدل 16 يومًا في السنة.

بناء على ذلك، لن يكون مستوى درجة الحرارة المُسجل في مدينة مطربة حالة شاذة. فقد وصلت إيران والعراق تقريباً إلى درجة حرارة مماثلة خلال سنة 2017. ولكن كل التدابير المتخذة لا تأخذ بعين الاعتبار عامل الرطوبة، الذي يلعب دورا مهما. فعلى سبيل المثال، تسمح درجة الحرارة 46 درجة مئوية والرطوبة 50 بالمائة، الذي يعد معدلا شائعا إلى حد ما في المناطق الساحلية في الخليج العربي (خاصة عندما تسرّع الحرارة من تبخر مياه البحر)، للإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة بالتحمل لمدة ست ساعات

إذا تم تجاوز هذه المدة، يواجه الجسم الأعراض المذكورة آنفا. أما بالنسبة لشخص ضعيف أو يعاني من حالة صحية هشة، تؤدي بضع ساعات من التعرض للشمس إلى الموت. ووفقا لدراسة نشرت في مجلة "نيتشر"، إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من تغير المناخ، فإن معظم المدن في الخليج العربي في النصف الثاني من القرن 21 ستصل إلى درجة حرارة 45 درجة مئوية، فضلا عن بلوغ ذروة الحرارة في مدينة الكويت إلى 60 درجة مئوية.

في الكويت، ارتفع متوسط درجة الحرارة بين 1.5 درجة مئوية و2 درجة مئوية منذ سنة 1975، وهو ما يعد الارتفاع الأعلى مقارنة بأي مكان آخر في العالم. في الأثناء، ظل مستوى هطول الأمطار البالغ 125 ملم على حاله، ولكن هذه النسبة من هطول الأمطار لا تتواصل على مدار العام كله، حيث تظهر غالبا خلال العواصف المفاجئة، قبل أن تمر البلاد بفترات طويلة من الجفاف. بالإضافة إلى ذلك، تزداد العواصف الرملية والترابية حدة وكثافة.

من جانبه، أفاد عالم الرياضيات والمختص في نمذجة المناخ، حسين الصراف، أن "هذه العواصف قد قل عددها مقارنة بالسابق، ولكنها تظل قوية. نحن نركز أغلب الأحيان على درجة الحرارة، ولكن الوضع البيئي بأكمله سوف يتغير بالنسبة لنا في الكويت، خاصة على مستوى قوة واتجاه الرياح، ورطوبة التربة، وارتفاع مستوى سطح البحر".

الطقس الحار فهو عبارة عن "قاتل صامت" يتسبب في عشرات بل مئات الآلاف من الوفيات كل سنة، ولكن تكمن المشكلة في إحصاء عدد هذه الوفيات بالضبط.



المصدر: noonpost