كان الاتحاد الأوروبي في بدايات القرن الحادي والعشرين نموزجاً للرخاء الإقتصادي... الى أن حفل القرنان السابقان بحروب اقليميّة وعالمية دامية. وكان "اليورو" العملة الموحدة من التجارب النادرة في التاريخ.

ولكن منذ بداية الأزمة المالية في عام 2008، بدأ مسار العمل الأوروبي يتراجع.

واجهت أوروبا العديد من المنعطفات في الأعوام الأخيرة، بدءاً من أزمة الدين اليوناني، ومروراً بردود الفعل العنيفة المعادية للهجرة ضد اللاجئين، وصولاً إلى التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت).

وأدى هذا الوضع إلى تراجع الفكرة الأوروبية وصعود قوى شعبوية ومن خارج المؤسسات في عدة دول منها ايطاليا والنمسا، مع ما يعني ذلك من تهديد لكل المشروع الأوروبي، وستكون لحظة انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2019 اختباراً حقيقياً يضع الاتحاد الأوروبي على المحك.


  • عوامل تجعل انهيار الاتحاد الأوروبي حتمياً

على الرغم من "النمو" النظري للاقتصاد العالمي، فإن ما يعاني منه الآن، ليس فقط عدم انتهاء الأزمة الاقتصادية التي اندلعت عام 2008، وإنما أيضا تفاقمها، وهذا ما يزيد من موجات الرفض والاحتجاجات الشعبية الراهنة.

هذا هو السبب المباشر لظواهر انتخاب المرشح الأمريكي الشعبوي، دونالد ترامب، و"البريكسيت"، وانتصار الشعبويين في إيطاليا، ومن قبلها اليونان، وأخيرا احتجاجات فرنسا. فنمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي يتوقف، وهو ما يعني ازديادا في موجات الاحتجاج.

الأزمة تضرب جميع الدول، لكنها توجع الدول الأفقر أكثر من الأغنى، غير أن شعوب الدول الغنية أقل استعدادا للاحتمال، والأهم من ذلك أن لديها خيارا مطروحا. هذا الخيار هو الموافقة على اقتسام مواردها مع الدول الأفقر أم لا، أو بمعنى آخر البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه، حيث كان "البريكسيت" هو إجابة البريطانيين عن ذلك السؤال، وهو ذات السؤال الذي سيطرح قريبا على الفرنسيين.


  •  منذ 2008 وحتى اليوم

لقد كان السبب في الأزمة الاقتصادية عام 2008 هو الديون العقارية "السيئة" في الولايات المتحدة الأمريكية، وتمكنت المصارف المركزية حول العالم آنذاك، بمجهودات مشتركة، من إيقاف التفاعل العنقودي، وإنقاذ النظام المالي العالمي من الانهيار.

فاشترت البنوك المركزية الديون المعدومة من المصارف التجارية، لتنتقل تلك الديون من مستوى البنوك إلى مستوى الحكومات، ومنذ 2008 وحتى اليوم، تضاعف الدين الحكومي على مستوى العالم أكثر من مرتين. وعلاوة على ارتفاع الدين الإجمالي الحكومي والخاص بصورة كارثية، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي، من 164 تريليون دولار عام 2016، إلى 182 تريليون دولار عام 2018، أي أنه ازداد بنسبة 11% خلال عامين فقط، تضاعفت الديون على مستوى العالم، وفقا للمعهد المالي الدولي، لتسجّل 217 تريليون دولار في عام 2017، وهو ما يمثل 327% من الإنتاج الإجمالي العالمي.

ومن أجل الحفاظ على مستوى الحياة الراهن في الغرب، فلابد وأن يتراكم الدين بتسارع، الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى التضخم بأي حال من الأحوال، مثلما حدث في فنزويلا وزيمبابوي. والبديل الوحيد لذلك هو أن ترغم الحكومات شعوبها على خفض الاستهلاك، بغرض بدء خفض الديون تدريجيا، أو على الأقل وقف تراكمها، وهذا ما أدى إلى انتخاب ترامب، وإلى "البريكسيت"، وإلى الاحتجاجات في باريس.


ولا شك أن المحاولات لخفض الديون ستؤدي إلى موجات رفض شعبي جديدة، وتوجهات انتخابية انتقامية في صناديق الاقتراع، واحتجاجات متصاعدة حول العالم.