تلوث، سموم انبعاثات المعامل، غبرة المقالع والأخطر "الإترنيت".. جو ملوث يعيش فيه سكان شكا وجوارها منذ سنوات ... أكثر من مادة سامة " تسرح وتمرح " في الجو وأثرها واضح على صحة الناس.

إن كان اللبناني قد ٱعتاد فعليا على أمور كثيرة أصبحت من المسلمات، كالصمت أمام غرق بلاده بالديون أو تقنين الكهرباء القاسي أو فاتورتي كل من المياه والمولدات أو الفساء المستشري "على عينك يا تاجر". أمر مؤسف! لكن، أن يصمت ويتخدّر أمام صحة أبنائه لسنوات طويلة دون تحريك أي ساكن، إنها حتما النهاية وعلى الدنيا السلام.

من من اللبنانيين الغير مقيمين في شكا أو جوارها يعتقد أنه أو أولاده محميا من الإصابة بسرطان الرئة، أو ورم المتوسطة، وسرطان الحنجرة والمبيض، وداء الأسبست (تلف الرئتين)؟

أقفلت "شركة اترنيت" في شكا عام 1991، بعد ان ثبت ان جميع أنواع "الأسبستوس" وهي مادة استخدمت لسنوات طويلة في التصنيع تدخل إلى الرئتين ولا تغادرهما، وتؤدي إلى الموت.

لكن القضية لم تنته هنا، فإن كل عابر للاوتوستراد بين طرابلس وبيروت في الاتجاهين يرى بأم العين رفوفا من القساطل والالواح المنتشرة في محيط وحرم الشركة المقفلة على يمين المسلك الغربي باتجاه بيروت.

هناك تحذير من جهات ومنظمات عالمية كمنظمة السلام الأخضر “greenpeace”، من احتمال انتشار الاسبستوس في الهواء بسبب الألواح الموجودة والخطر الصحي كبير بسبب تفتت الاميانت وتطاير الغبار.

يطلق مصطلح "الأسبستوس" على مجموعة معادن ليفية تتكوّن طبيعياً كانت لها فائدة تجارية في الماضي، نظراً لمقاومتها غير العادية لقوة الشدّ، ورداءة توصيلها للحرارة، ومقاومتها النسبية لهجمات المواد الكيميائية عليها. ولتلك الأسباب استخدمت مادة "الأسبستوس" لأغراض العزل داخل المباني وفي تشكيلة مكونات عدد من المنتجات، مثل ألواح التسقيف، وأنابيب الإمداد بالمياه، وبطانيات إطفاء الحرائق الخ.

ويحدث التعرض لمادة "الأسبستوس" من خلال استنشاق ألياف موجودة في الهواء في بيئة العمل، أو الهواء المحيط في منطقة مجاورة لمصادر تلوث مثل المصانع التي تتعامل بالأسبست، أو الهواء الداخلي في المساكن والمباني التي تحتوي على مواد أسبستية قابلة للتفتيت.

صحيح أن تسجيل اصابات جديدة في البلدات المحيطة بالشركة حرك الملف على خط دول ومنظمات عالمية.

لكن للأسف لم يحصل أي تحرك أو أي عمل جدي.

فلذلك لماذا السكوت في حين لا تزال هذه القضية على المستوى القضائي مجمدة ومتروكة لحارس قضائي، فلا مهمة اتلاف المخزون بطريقة بيئية سليمة، ولا إنصاف العمال والمستخدمين تشكل أولوية، سواء في وزارة البيئة أو على مستوى البلديات المعنية والشهود يموتون الواحد تلو الآخر ...

كثيرة هي المآسي والشهادات الحية وعلى نطاق أوسع وأبعد من شكا:

غناطيوس سعادة من بلدة سبعل، 69 سنة، زوجته 62 سنة، ابنه سمير 52 سنة.

أول من تعرّض للمرض كانت الزوجة لأنها كانت تغسل ثياب عمل زوجها مما تسبب بتنشقها لغبار المادة مما أدى إلى مرضها بعد مرور عشرين سنة على إقفال الشركة مما يثبت أن المادة تدخل الرئة وتبقى فيها طويلا حتى تفاجئ الإنسان بالموت السريع إذ لم يستجب جسم الزوجة للعلاج كما هي حال ابنها ففارقت الحياة في غضون ٦ أشهر من علمها بالمرض في عمر 62 .

أما اغناطيوس فقد عمل في الشركة مدة ٢٢ عاما منذ أن كان في سن المراهقة وبعد هذه الخدمة الطويلة كافأته الشركة هو وسائر العمال بعدم إعطائهم حقهم في التعويض أو الضمان إضافة إلى حرمانهم من راتبهم في السنوات الأخيرة قبل إقفالها.

وما زاد الطين بلّة أن اهالي المنطقة كانوا يشترون غبار "الاسبستوس" في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي الذي كانت تجمعه الشركة، فيمزجونه بالماء ليصبح كالإسمنت ويستخدمونه في اعمال الصيانة في منازلهم.

وفي اتصال مع رئيس بلدية كفرحزير السيد فوزي يعقوب معلوف قال أن البلدية قامت بتجمعات عدّة لكي ترشد الناس حول كيفية الوقاية من هذا الموضوع. إضافة الى ذلك فقد دعمت البلدية ببيان هيئة شكا بالنسبة للحماية من مادّة "الاميانت".

و أضاف: "نحن كبلدية كفرحزير ليس لدينا امكانية لنعمل في منطقة شكا، ولكن سوف نرى اذا كان باستطاع وزارة البيئة أن تجد لنا مكانا لنتخلص فيه من كمية الاميانت الموجودة في كفرحزير كخزانات ماء، وقصاطل…"

لأن طريقة الإزالة العلمية معروفة .

ويذكر أن السيد فوزي فقد والديه بسبب المرض نفسه أما أخيه فأجرى عملية استئصال للورم في الرئة في الولايات المتحدة وصحته الآن جيدة.

وفي سياق متصل بوزارة البيئة، ترى الوزارة أنه لا داعي لإزالة المواد المتبقية طالما انه يمنع لأي شخص ان يلمسها أو يقترب منها.

كما أكّد لنا مصدر مطّلع على اتصال بوزارة البيئة أن القساطل والمواد المتبقية من شركة الاترنيت ليست خطيرة على الصحة الا إذا تمّ تكسيرها وأكد المصدر الى عدم وجود أي دراسة تؤكّد خطر هذه المواد، لذلك لا يتم التخلص منهم.

 

فكيف تتجاهل وزارة البيئة أن معظم دول العالم المتقدم تتخلص من هذه المواد وتعمل على إزالة كل ما له علاقة بالإترنيت وإبعادها كل البعد عن السكان؟

فبحسب الخبراء، يتم التخلص من هذه المادة عبر تغليفها بغلافين عازلين، ومن ثم صبّ الأسمنت عليها وطمرها في أماكن مخصصة لهذا الغرض، وذلك وفق عملية معقدة تحتاج إلى اجراءات خاصة.
لذا ألا يستحق أن يكون هذا الملف وغيره من الملفات المتعلقة بصحة المواطن على جدول أعمال الحكومة الجديدة؟