لا تزال الحسابات السياسية التي تقوم بها القوى السياسية تطّغى على الواقع الإقتصادي، المالي والنقدي. فالتباين على شكل الحكومة وإسم رئيسها يؤخّر تشكيل الحكومة التي تُعتبر المدخل الأساسي لأي حلّ للأزمة القائمة حاليًا.

الأزمة الإقتصادية والمالية والنقدية لها تداعيات سلبية كبيرة خصوصًا أنها تنسحب على الشق الإجتماعي مع زيادة نسبة الفقر والتي قدّ تتحوّل إلى مصدر إضطرابات إجتماعية وحتى جرائم سرقة أو قتل!

إذًا نرى في ما تقدّم أن حسابات المخاطر الناتجة عن عدم تشكيل الحكومة هي عملية مُعقّدة نظرًا إلى عدم وجود علاقة خطّية بين مختلف العوامل

(Non-Linear Relationship ) وهذا يعني أن القوى السياسية لا تتصرّف من منطلق علمي يقوم على قياس المخاطر لتنفيذ اللعبة السياسية من دون أضرار إجتماعية.

ما نقوله هو أن القوى السياسية لا تملك أرقام عملية عن التداعيات السلبية الناتجة عن تأخير تشكيل الحكومة وبالتالي قد تكون النتائج كارثية على الصعد الإجتماعية والإقتصادية والمالية والنقدية لدرجة تفوق توقّعات السياسيين، اللهم إلا إذا كان هناك إتفاقات دوّلية على عدم السماح للبنان بالسقوط إلى هذه المستويات!

من جهة أخرى، المعروف تاريخيًا أن عجز الموازنة سجّل أرقامًا قياسية خلال فترات تصريف الأعمال كما حصل العام الماضي مع حكومة تصريف الأعمال التي إمتدّت على فترة 8 أشهر من العام 2018 وأدّت إلى تسجيل عجز إضافي يُناهز الملياري دولار أميركي عما كان متوقّعًا في موازنة العام 2018! من هذا المُنطلق، نرى أن العجز في الموازنة سيزداد حكمًا على الفترة المُمتدّة منذ إستقالة حكومة تصريف الأعمال الحالية وحتى تشكيل حكومة جديدة.

أيضًا في ظلّ حكومات تصريف الأعمال، تخفّ الرقابة على الموظّفين ويزداد معه الفساد. وليس أبعد من البارحة، عرضت شاشة الـ«MTV» تقريرًا يُظهر فسادًا على مرفأ بيروت من قبل مجموعة تقوم بالتهريب الجمركي حتى في ظل الإحتجاجات الشعبية التي قامت أصلاً ضدّ الفساد المُستشري في لبنان.

عدّة عوامل تدفع إلى القول إلى أن الوضع في ظل غياب حكومة إنقاذ، سيتجه إلى مزيد من التأزّم:

أولا: على الصعيد النقدي: إستمرار غياب الحكومة يعني غياب الثقة وبالتالي إستمرار المصارف بفرض قيود على حركة الدولار الأميركي الذي سيزيد سعره حكمًا لدى الصيارفة عملاً بمبدأ العرض والطلب. ولا تُساعد المضاربة التي تقوم بها بعض الجهات في تركيا مع عرض 5000 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي مما سيزيد حكمًا من عملية تهريب الدولارات إلى الخارج وستزيد معها حركة التقييد!

ثانيًا: على الصعيد المالي: تراجع النشاط الإقتصادي أدّى بدون أدنى شك إلى تراجع إيرادات الدولة بشكل ملحوظ مما يعني زيادة العجز وبالتالي زيادة الدين العام. ومع تراجع التصنيف الإئتماني، هناك شبه إستحالة لإصدار سندات خزينة مما يعني أنه ستستدين من مصرف ما يعني زيادة الضغط على إحتياطات مصرف لبنان وبالتالي على الثبات النقدي!!!

ثالثًا على الصعيد الإجتماعي: زيادة كلفة الإستيراد في ظل غياب الإنتاج سيؤدّي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن اللبناني وبالتالي هبوط قسم كبير من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة. هذه الزيادة في الفقر ستدّفع بحسب الإحصاءات إلى زيادة الجريمة من سرقة وفلتان أمني وإعتداء جسدي وغيرها من الجرائم التي ستؤدّي إلى زعزة الثقة بالمجتمع والدولة.

بفرضية تشكلت حكومة في الأسابيع القادمة، هناك حاجة لوقت طويل قبل عودة الأمور إلى نصابها. فالحكومة بحاجة إلى القيام بجردة دقيقة لمالية الدولة وإستحقاقاتها وإيراداتها في السنتين القادمتين قبل طرح خطّة للخروج من الأزمة في ظل سلّة متكاملة من الإجراءات التي يجب أن تطال بشكل أساسي الواقع المالي للدولة والواقع الإقتصادي. وهذا يعني أن أي عملية إنقاذ لن تبدأ قبل شهر من أخذ الحكومة الثقة من المجلس النيابي.

تنفيذ الخطة الإنقاذية سيحتاج إلى فترة تمتد ما بين السنتين إلى ثلاث سنوات قبل الوصول إلى حالة ثبات في الوضع المالي (بالدرجة الأولى) والبدء بقطف ثمار الخطة في الإقتصاد. على هذا الصعيد، يتوجّب القول أن كل تأخير بالبدء بالخطّة يجعل فترة التنفيذ أطول والإجراءات أصعب! من هذا المنطلق نُطلق الصرخة حول أهمّية تشكيل الحكومة في أسرع وقت والتعالي عن الحسابات السياسية التي تمّنع هذا التشكيل.

البعض يرى أن ما تقدّم هو تبسيط لمُشكّلة أكبر من لبنان الذي إنغمس في الوحول الإقليمية والدولية. وبالتالي أي حكومة لا ترضى عنها القوى السياسية الداخلية لن تُبصر النور، كما أن حكومة لا يرضى عنها المُجتمع الدولي ستُغرق لبنان في مشاكل مالية وإقتصادية أعظم. من هذا المُنطلق نرى أن هناك حلاً وسط بين هذين الحلّين (صعب تحقيقهما!) والذي قدّ يكون مخرجًا لائقًا وضروريًا للخروج من الأزمة إذ لا يُعقل بعد كل ما عرضناه أعلاه أن يستمر البلد من دون حكومة!

البعد السياسي للمُشكلة الحالية يطغى على المُشكلة الإقتصادية والإجتماعية عند القوى السياسية، فيما الشق الإقتصادي والنقدي هو الذي يطغى عند المواطن. من هنا نرى أن التباعد في وجهتي النظر هذه، سيدّفع إلى مزيد من الإحتجاجات الشعبية والتي قدّ تزيد وتيرتها مع الوقت وقدّ تنفجر في أذار المُقبل مع تحسّن الطقس.

من يملك الحلّ؟ بإعتقادنا اللبنانيون هم من يملكون الحلّ وكل ما يجب القيام به هو الرأفة بالشعب الذي يعيش على وتيرة المشاكل الإقتصادية والنقدية.

بإعتقادنا، إستمرار الوضع على ما هو عليه من دون حكومة، يعني أن لبنان يمتلك فترة عدّة أشهر من الصمود قبل أن تفلت الأمور عن السيطرة ويُصبح لبنان عرضة لكل الإحتمالات.