مفهوم الدين هو المحور الأساسي الذي تقوم عليه الأسواق المالية الحديثة. فعند شراء سندات خزينة تابعة لدولة أو شركة، فهذا يعني أن الشخص الذي اشترى السند قام بإقراض الدولة أو الشركة على فترة مُعيّنة أموالا مقابل دفع المُقترض فائدة وإعادة رأس المال عند انتهاء الفترة. أيضا عند شراء سهم لشركة، فإن الشخص الذي اشترى السهم يُقرض الشركة مالا على فترة يُحدّدها هو، وفي المُقابل يمتلك الشاري أسهماً في الشركة تُعطيه حق التصويت لكن أيضا قسماً من أرباحها. أيضًا هناك في الأسواق ما يُسمّى بالأوراق المالية التي هي عبارة عن استدانة للأموال وينطبق عليها ما ينطبق على سندات الخزينة.

في الواقع تستدين الشركات في الأسواق (Financial Market Based Economy) او لدى المصارف (Banking Based Economy) بحكم أن النمو الاقتصادي يتمّ تعظيمه حين يقوم اللاعبون الاقتصاديون الذين يمتلكون فائضاً مالياً بإقراض لاعبين اقتصاديين آخرين في حاجة لتمويل مشاريعهم. وبذلك تكون نسبة النمو أكبر ويستفيد المُقرض والمُقترض.

تستدين الدول في الأسواق المالية أو لدى المصارف في حالتين: (1) حاجة آنية للسيولة وهذا ينطبق على الحالات حيث هناك فارق بين تاريخ جباية الإيرادات إلى الخزينة وتاريخ دفع المُستحقات (مثل الأجور)، لهذا تقوم الحكومات في الاستدانة في الأسواق عبر إصدار سندات على فترات قصيرة لا تتعدّى السنة. و(2) الحاجة لتمويل مشاريع استثمارية وفي هذه الحال يكون إصدار السندات على فترات طويلة تتعدّى السنتين عادة.

عندما تقوم الحكومات بالاستدانة بهدف تمويل الإنفاق الجاري (باستثناء الحالة الأولى الآنفة الذكر)، فهذا يعني أن الدولة فقدت سيطرتها على المالية العامة. وبالتالي أصبحت تحتاج إلى الاستدانة لتغطية استحقاقات الدين بالدرجة الأولى لكن أيضا كل النفقات الجارية الأخرى. هذه الحالة هي حالة لبنان وهي حالة شاذّة لا نجدها كثيرا في الأسواق بحكم أنه لا يوجد أحد يقبل إقراض دولة تُسجّل عجزا مُزمنا من دون أن يكون هناك أفق حقيقي لإصلاح هيكلي في الموازنة العامة بشكل تُصبح فيه النفقات أقلّ من الإيرادات.

إذًا لماذا قامت المصارف اللبنانية ومصرف لبنان بإقراض الدولة اللبنانية وهي التي تُسجّل عجزا منذ نهاية الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي؟

العجز في حدِّ ذاته ليس بإشكالية كبيرة خصوصا إذا ما كان عابراً وناتجاً من استثمارات أو وضع أمني أو سياسي موقت. على هذا الصعيد، تنصّ النظرية الاقتصادية على أنّ توازن الميزانية العامة للدولة ليس المعيار الأول المناسب للسياسة المالية للحكومة وذلك من ناحية تأثرها بعاملَين أساسيَين:

أولاً - سياسة الديون للسنين الماضية والتي تنعكس حكماً في حجم خدمة الدين العام،

وثانياً - الوضع الاقتصادي الآني ومكانه في الدورة الاقتصادية والذي قد يخلق عجزاً ناتجاً من ضعف قراءة الفرضيات الماكرو اقتصادية ما قد ينتج منه زيادة في عجز الموازنة وتدهور في الوضع الاقتصادي الدوري بمعزل عن الخيارات الهيكلية في الميزانية وبالتحديد معدّل الضرائب، ومستوى الإنفاق العام.

النظرية الاقتصادية المُعتمدة في علم الاقتصاد تنصّ على أن تحليل الانضباط في المالية العامة يكون عبر عدد من القيود على ميزانية الدولة من ناحية أنّ تمويل النفقات الإجمالية في الميزانية لكلِّ سنة مالية يتمّ من الضرائب و/ أو من الإصدارات لسندات خزينة. وهذه القيود يُمكن وضعها ضمن معادلة حسابية على الشكل الآتي :

الإصدارات الجديدة (أو زيادة الدين العام) + الإيرادات الضريبية = خدمة الدين العام + الإنفاق العام.

وهنا يُمكن ملاحظة أنّ نسبة الدين العام قد تزيد إما لأنّ الدولة تُسَجِّلُ عجزاً أولياً لا يسمح بتغطية خدمة الدين العام، أو لأنّ الفجوة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدل النموّ تتسّع بشكلٍ ملحوظ.

وهنا نستنتج من الأرقام المالية للدولة اللبنانية، أن الميزان الأولي لم يُسجّل بتاتا فائضاً يفوق خدمة الدين العام، مما يعني أن الماكينة الإنتاجية لم تستطع تغطية مصاريف الدولة وبالتالي زاد الدين العام. أيضاً هناك فجوة مزمنة بين سعر الفائدة الحقيقي ومعدّل النمو زادت مع مرور الوقت!

إذا نستنتج أن هناك إنفاقاً عاماً مُفرطاً لا تكفي مداخيل الخزينة لتغطيته وهو ناتج من غياب السياسات الاقتصادية ومن تفشّي الهدر والفساد.

في العام 2002 وعلى اثر مؤتمر باريس 2، قامت المصارف بإقراض الدولة ما قيمته 3 مليار دولار أميركي بفائدة صفر مقابل قيام الدولة بإصلاحات. لكن هذه الأخيرة لم تُبصر النور بسبب الأحداث السياسة والأمنية التي عصفت بلبنان من العام 2003 إلى العام 2007. في العام 2007 أخذ الاقتصاد بالنمو بشكل سريع جدا لدرجة حقق لبنان نموا اقتصاديا وصل إلى 10%! وهنا استمرّت المصارف بإقراض الدولة ظنا منها أن الأمور عادت إلى نصابها مع ارتفاع النمو الاقتصادي. على هذا الصعيد يجب الذكر أن الدين العام نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي هبط من 180% إلى 134%!

مع بدء الأزمة السورية، أخذت الأمور بالسوء أكثر اقتصاديا ووجد القطاع المصرفي ومصرف لبنان نفسه في معضلة الاستمرار في تمويل الدولة أو وقف تمويلها وبالتالي تحمّل مخاطر تعثّر الدولة في دفع استحقاقاتها!

هل كان بإمكان المصارف التوقف عن إقراض الدولة في العام 2002؟ باعتقادنا لا يستطيع أي مصرف في أي دولة من العالم التوقف عن إقراض الدولة نظرا إلى أن الإفلاس هو إفلاس أكان الدين العام 3 مليار أو 80 ملياراً! لكن التداعيات المالية على المواطن اللبناني كانت لتكون أقلّ كلفة من الأن!!

تراكم الدين العام بهذا الشكل يبقى قضية قضائية بامتياز وهو الوحيد القادر على إعطاء توضيحات للشعب اللبناني عن كيفية حصوله وهل هناك من مُستفيدين؟

الآن وقد وصلنا إلى 87 مليار دولار أميركي دين عام (أو ما يوازي 153% من الناتج المحلّي الإجمالي)، هل أصبح لبنان على شفير الإفلاس؟

عبارة إفلاس بمعناها العام تنطبق بالدرجة الأولى على الشركات أو الأفراد في حال عجز هؤلاء عن دفع استحقاقاتهم من ديون، وبالتالي يُطلق على الشخص أو الشركة عبارة «مُفلس» أو «مُفلسة». هذا الأمر يدفع المقرضين إلى التوجّه إلى القضاء وبالتالي يتمّ تعيين حارس قضائي (على الشركات) حيث يقوم هذا الحارس ببيع الأصول التابعة للشركة ودفع المطلوبات بحسب أوّلية حدّدها القانون.

لكن في حال الدول لا يُمكن استخدام عبارة «إفلاس» نظرًا إلى عدة عوامل منها السيادة الوطنية والتي تمنع بيع كل أصول الدولة! فالواقع المُعقّد لأصول الدولة وعلى رأسها الضرائب التي هي ضرائب سيادية لا يُمكن بيعها!

وقد يظن البعض أنه من المُمكن أن تتمّ مصادرة أصول دولة مُتعثّرة داخل هذه الدولة، إلا أن هذا غير مُمكن والخيار الآخر يكون بتجميد الأصول (قضائيا) في الخارج.

من هذا المُنطلق، يتم الحديث عن «تعثّر في دفع المُستحقات» حيث وبحسب الأسواق المالية يُصبح هذا الأمر واقعا في حال من ثلاث: (1) عدم قدرة الدولة على دفع المستحقات من ديون؛ (2) عدم رغبة الدولة في دفع المستحقات من ديون؛ و(3) إعادة هيكلة الدين العام.

وتقوم الدول عند تعثّرها بدفع ديونها بالمفاوضات مع مُقرضيها الكبار لتخفيف عبء الدين العام إن من خلال خفض الفائدة أو حذف قسم من الدين العام.

المفاوضات مع المُقرضين قد تؤدّي إلى خفض الدين العام، إلا أن ما يقوم به هؤلاء هو رفع الفائدة لكي يتمّ تعويض الخسائر على المدى البعيد، لذا يبقى خيار خفض الفوائد هو الأنسب. وهنا تظهر مُشكلة أخرى: الدين العام الخارجي المحمول من مُستثمرين أجانب هو 11.8 مليار دولار أميركي، أي ما يوازي 13.58% من الدين العام مقارنة بالدين العام الداخلي بنسبة 82.62%. وهنا نطرح الأسئلة الآتية :

- هل سيتمّ خفض الفوائد داخليًا والإبقاء على مستوياتها خارجيًا؟ هل ستعتبر وكالات التصنيف هذا الأمر كتعثّر في دفع المُستحقات؟

- هل سيتمّ خفض الفائدة على الدين داخليًا وخارجيًا؟ وكيف ستتعامل وكالات التصنيف العالمية مع هذا الأمر؟

على كلّ الأحوال، لبنان ما زال بعيدًا عن الإفلاس بحكم أن مصرف لبنان ما يزال يدفع استحقاقات الدولة من الديون الخارجية. وبالتالي، لسنا في صدد إعادة هيكلة الديون بأي شكل من الأشكال قبل القيام بجردة على كل استحقاقات الدولة وإيراداتها ضمن خطّة واضحة تقوم بوضعها الحكومة لمعرفة إذا ما كان النقص في الإيرادات يُمكن تمويله من محاربة الفساد وخفض الإنفاق أو أن الأمر يتطلّب مُساعدة من قبل صندوق النقد الدولي.

باعتقادنا، آن الأوان لكي تتشكّل حكومة جديدة يكون نفسها إصلاحياً وإهتمامها الأساسي وضع خطّة مالية للخروج من المأزق ودعم الاقتصاد علّ لبنان يشهد نسب نمو عالية تستطيع امتصاص خدمة الدين العام التي تبقى مُرتفعة نسبة إلى الناتج المحلّي الإجمالي.