بعض التجّار استوردوا سلعاً وبضائع لأكثر من أربعة أشهر

بروفسور جاسم عجاقة

القيود التي فرضتها المصارف على حركة الدولار الأميركي كنتيجة للتهافت غير المسبوق على سحب الودائع، وإرتفاع سعر صرف الدولار الأميركي لدى الصيارفة، دفع بالأسعار إلى الإرتفاع بشكل ضرب الأمن الإجتماعي.

هذا القول يبقى ناقصًا إذا لم يتمّ فهم الآلية التي تمّ من خلالها نقل إرتفاع سعر دولار الصيارفة إلى أسعار السلع والبضائع. وقد يقول البعض وهذا حق، أن الإستيراد مُقوّم بالدولار الأميركي وبالتالي فإن إمتناع المصارف عن تلبية حاجة المستوردين وتوجه هؤلاء إلى شراء الدولار لدى الصيارفة رفع سعره إلى مستويات إنعكست تلقائيًا في أسعار السلع والبضائع المستوردة وحتى المحلية التي تستخدم مواد أوّلية مستوردة. إلا أن إختزال الأمر بهذه الطريقة هو تبسيط لعملية تحوي على تعقيدات أكبر.

فالمعروف تاريخيًا أن 80% من الإقتصاد اللبناني مُحتكر (بشكل مباشر أو غير مباشر) من قبل عدد قليل من الشركات أو الأشخاص التي لها صلة مع أصحاب النفوذ. وبالتالي فإن إنخفاض أسعار النفط في الفترة المُمتدّة بين الأعوام 2014 إلى 2016 (أكثر من 60%!) لم ينعكس في أسعار السلع والبضائع في لبنان كما يُظهره مؤشر الأسعار الذي يُصدره الإحصاء المركزي.

أيضًا يقول أحدّ تجار المواد الغذائية أنه قام بإستيراد كمّية كبيرة أكبر من المعتاد في شهر تشرين الأول قبل بدء الإحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول وهي كافية لأكثر من أربعة أشهر. تاجر أخر يستورد الكماليات لأعياد رأس السنة قال أنه إستورد كل حاجته لموسم أعياد الميلاد ورأس سنة 2019 في شهر أذار من العام 2019.

إذًا كيف يُمكن لإرتفاع أسعار الدولار لدى الصيارفة أن يؤثر بهذا الشكل على أسعار السلع والمواد الغذائية؟ الجواب في الربح غير المشروع والمعاقب عليه في المرسوم التشريعي 73/83.

بالطبع هذا القول لا يشمل كل التجار، فالصغار منهم يشترون بضائعهم من المستوردين الكبار الذين يرفضون بيع بضائعهم إلا نقدًا وبالعملة الصعبة أو ما قيمتها لدى الصيارفة بالليرة اللبنانية! البضائع هي نفسها وبكلفة مُنخفضة، إلا أن السعر يتغيّر ويا للأسف!

عند سؤالنا أحد أصحاب المطاعم عن كيفية شرائه المواد الغذائية والمشروبات والمواد التي يحتاجها لتقديم خدماته، قال أن المورّدين يرفضون بيع السلع إلا نقدًا وفي المقابل مُعظم زبائن هذا المطعم يدفعون بالبطاقات المصرفية. وأضاف أنه يواجه مشاكل عديدة في سحب الأموال من المصرف وأن قدّرته على الصمود مُتعلّقة بقدرته على الإستحصال على النقد.

أيضًا العديد من محطات الوقود ترفض قبول الدفع بالبطاقات المصرفية وتُلزم أصحاب السيارات الدفع نقدًا وإلا لا يُمكن تعبئة الوقود!

إذًا نستنتج مما سبق أن إرتفاع الأسعار يحوي على شقّين: الأول وهو مرتبط بشكل أساسي بهيكلية الإستيراد الإحتكارية (بإمتياز)، والثاني إرتفاع أسعار صرف الدولار الأميركي لدى الصيارفة.

وهذا يعني أن الأرباح الناتجة عن الإحتكار أصبحت تُدّفع مباشرة من قبل المواطن بدل أن يدّفعها مصرف لبنان من إحتياطاته! للتذكير كل السلع والبضائع إرتفعت أسعارها بإستثناء المحروقات، القمح، الأدوية، فاتورة الخليوي، والمعاملات المصرفية التي يؤمّن مصرف لبنان الدولارات لها.

الحاجة للدولار الأميركي على الصعيد الإقليمي (تركيا، سوريا، مصر، الأردن، الـعراق) أدّت إلى أن السلع والبضائع المُهرّبة إرتفعت أسعارها بشكل كبير. وبحسب أحد أصحاب المطاعم، إرتفع سعر كيلو التنبك المُهرّب من 25 ألف ليرة إلى 40 ألف ليرة مما فرض عليه رفع أسعاره. هذا الواقع ينطبق على كل السلع والبضائع المُهرّبة (والأمثلة كثيرة).

الرقابة على التجار في هذه المرحلة الحرجة صعبة جدًا خصوصًا أن عدد التجار الصغار كبير جدًا (الألاف) ومراقبتها كلها هو أمر شبه مُستحيل من قبل 140 مراقباً من وزارة الإقتصاد والتجارة. وبدل ذلك، يتوجّـب مراقبـة التجار المستوردين وعينة من التجار الصغار بذلك تكون الفعّالية أكبر. ويقول البعض أن وزارة الإقتصاد والتجارة لا تمتلك المسوغ القانوني لمراقبة العمل بين التاجر وتاجر أخر بل أن قانون حماية المُستهلك يرعى العلاقة بين التاجر والمُستهلك (لم يتمّ التصويت على قانون التنافسية بين التجار). إلا أن النصوص القانونية مطّاطة وهناك العديد من النصوص التي يُمكن الإستناد علـيها للقيام بهذه الرقابة.

أرقام وزارة الإقتصاد والتجارة المتوافرة على موقعها الإلكتروني لا تُعطي الأسعار إلا للأشهر التي تسبق تشرين الثاني 2019، وبالتالي هذه الأسعار لا تعكس الحقيقة الحالية على الأرض. أمّا أرقام الإحصاء المركزي المتوافرة منذ العام 2007 وحتى شهر تشرين الثاني 2019، تُشير إلى أن هذا المؤشر هو في إرتفاع مُستمر وقدّ سجّل إنعطافًا تصاعديًا ملحوظًا منذ بدء الإحتجاجات الشعبية ووصل إلى مستوى تاريخي في تشرين الثاني 2019 مع 112.49 نقطة. ويعود سبب الإرتفاع هذا إلى الفوضى الواضحة في الأسواق والناتجة عن غياب السلطة التنفيذية.

وتُشير تفاصيل تقرير مؤشر الأسعار الصادر عن الإحصاء المركزي إلى أن أسعار الألبسة والأحذية سجلت إرتفاعًا بنسبة 30% في شهر تشرين الثاني مقارنة بأسعار كانون الثاني 2019، وسجّل كل من أسعار المشروبات الروحية والتبغ والأثاث والتجهيزات المنزلية إرتفاعًا بنسبة 15%!