هكذا، وفي أسرع من وجع النفس، سكت الصوت العالي، وسكن العصب الثائر، وهدأ الذهن المتوقد. ووقف القلب الكبير، قلب النقيب الحبيب عصام كرم.

النقيب عصام كرم، ابن دير القمر عاصمة الامراء، لم يكن إنساناً عادياً. انه وبكل ثقة، اسطورة العصر.

ثقافته قل مثيلها. يستطيع ان يتكلم في جميع المواضيع ساعات وساعات. فيغوص فيها بكل ثقة ومعرفة ودراية. فينصت جميع من حوله للاستفادة من معلوماته. وهذا ما كنا نفعله في المناسبات حيث كنا نتحلق حوله للاستماع اليه وانا شخصياً كنت ادون الكثير من اخباره ومداخلاته.

جرأته كانت محط إعجاب منذ بدء دخوله معترك الحياة. ولا ننسى مواقفه في المحاكم وفي المسائل الوطنية والمصيرية. وهو كان رجلاً شجاعاً ومقداماً. يساعده في ذلك علم وافر، وثقافة متشعبة، وذكاء متقد، وذاكرة قل مثيلها. بالاضافة الى النزاهة الفكرية والشفافية التي تسمح لمن يتحلى بها بمقاربة جميع المواضيع بثقة وشجاعة بعيداً عن التزلف والخنوع.

تربى النقيب كرم في منزل عُرف بالعلم والايمان والاحترام. وتابع مسيرته على هذا الاساس. كان دائم الحضور يقوم بواجباته المهنية والنقابية والانسانية والاجتماعية حتى اليوم الاخير من حياته. وكان آخرها الاجتماع - الخلوة الذي عقد في بيت المحامي يوم السبت الماضي ودام عشر ساعات، تابعه بكل اهتمام وجدية، وكانت له المداخلات المفيدة والمثمرة والتي تصب في مصلحة النقابة.

وكان النقيب كرم يقرأ ويتابع أحدث الكتب باللغتين العربية والفرنسية، ويرتدي الثياب الانيقة. وكان يقول عبارته الشهيرة: احلى كتاب كتابي واحلى ثياب ثيابي.

كما كان يتابع الندوات والمحاضرات والاجتماعات العلمية. ولا يتوانى في تصحيح ما يرد من عبارات او كلمات تستعمل خطأ بسبب ما يسمى بالخطأ الشائع. فكنا جميعاً نتهيب حضوره، وننتقي الكلمات الصحيحة حتى لا يأتينا صوت جهوري، وان كان محبباً، من المقعد الاول في القاعة ليصحح لنا هذه الكلمة او تلك.

كان النقيب كرم محباً للحياة، يعيشها في اجمل معانيها. ويستشهد بكلام كتبه بول فاليري في مقدمة احد الكتب حيث قال: الحياة لا تساوي شيئاً ولكن شيئاً لا يساوي الحياة.

La vie ne vaut rien mais rien vaut la vie

كما كان مؤمناً بمبدأ التفضيل في هذه الحياة. ويقول ان السيد المسيح قد فضل يوحنا المعمدان عندما قال : «لم اجد رجلاً اكرم وجهاً من يوحنا المعمدان» كما ان نابوليون بونابرت قال عن «كورنيه» (corneil) لو وجد هذا الرجل في عهدي لكنت جعلته اميراً».

ويوم ترافع عن رئيس حزب فاعل، وعندما وصل الى عبارة «الامر لي» روى واقعة قديمة مفادها ان صاحب مبنى فتال الشهير في بيروت وضع لافتة على مدخل البناء الذي انتهى من تشييده كتب عليها: الملك لله. فجاء مصور مجلة الدبور وصور اللافتة ونشر الصورة في المجلة وكتب تحتها: «الملك لله والايجار لفتال».

وفي احدى مرافعاته، ولدى انتقاده احد شهود الزور قال: «... في قوس هذا المحراب وقف هنا يقسم على قول الحق بلا زيادة او نقصان، كما جاء في الكتاب: «كبرت افواههم ان تقول كلمة الا كذباً».

لقد كان النقيب الحبيب عصام كرم محامياً لامعاً، وانساناً لائقاً لبقاً خلوقاً. يدافع عن المظلوم، مساعداً لكل ذي حاجة يدافع عن الجميع، يسأل عن الجميع غير مميز بين انسان وانسان، ولا بين طائفة وطائفة ولا بين حزبي وغير حزبي. اقربهم اليه انفعهم لعيلته ووطنه.

فيا ايها النقيب الحبيب. يصح فيك ما قاله الشاعر يوماً:

يا سائس الخيل قم للخيل وانحرها

ما حاجة الخيل والفرسان قد ماتوا

في القلب، وفي البال، نقيباً عزيزاً، وأباً واخاً وزميلاً وصديقاً محترماً مخلصاً... ألا فاعبر بسلام ... فإنك الان حيث يليق بالاخيار والانقياء الاصفياء.