بغض النظر عن اشتداد الازمات على لبنان، سواء الاقتصادية المالية، أو تلك الصحية التي نتجت عن وباء «كورونا» الذي يبدو أنه يعود بقوة الى الساحة اللبنانية، يبقى للسياسة المكان الأبرز، فلا وقت للراحة لأولئك الذين يتنافسون على مقعد كرسي رئاسة الجمهورية، ولو أن العهد الحالي لا يزال لم يُنه الثلث الثاني من عمره.

إنطلاقاً مما بات يُعرف بملف «الفيول المغشوش»، قرر رئيس تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية الرد بوضع الأمور في سياقها السياسي، أي معركة الإنتخابات الرئاسية المقبلة، المفتوحة منذ اليوم الثاني لإنتخاب الرئيس الحالي ميشال عون، متجاوزاً كل الأعراف السائدة في هذه المعركة، التي كان يسعى فيها معظم الأفرقاء إلى الفصل بين عون ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، ففرنجية شمل رئيس الجمهورية في المواجهة هذه المرة، فارضاً معادلة: «الحرب أو السلم».

في هذا السياق، يدرك رئيس تيار «المردة» أنه اليوم قادر على خوض هذه المواجهة، مستفيداً من تكتل مجموعة واسعة من الكتل السياسية في وجه باسيل، من حزب «القوات اللبنانية» إلى «الحزب التقدمي الإشتراكي» وصولاً إلى تيار «المستقبل» ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالإضافة إلى العديد من القوى الأخرى، سواء داخل قوى الثامن أو الرابع عشر من آذار، من دون تجاهل الإستهداف الذي تعرض له رئيس «التيار الوطني الحر» في التحركات الشعبية التي شهدتها البلاد في الأشهر الماضية.

في هذا الإطار، وبحسب مصادر قيادية في فريق 8 آذار فإنه يمكن الإشارة إلى نقطة أساسية تعمد فرنجية ذكرها في مؤتمره السياسي: «نحن في المشروع السياسي نفسه»، لأن رئيس حزب «القوات اللبنانية» قد يكون هو المستفيد الأساسي من هذا الصراع بين أبناء المشروع الواحد.

لكن المستجد اليوم بحسب المصادر هو ارتفاع حظوظ «فكرة» الرئيس المستقل، او معادلة الرئيس الوسطي، التي عادت بعض الجهات السياسية إلى تبنيها ولا يمكن تجاهلها، بالتزامن مع تحرك لافت يسجل لبعض الشخصيات التي تصنف ضمن هذه الدائرة، وبالتالي معركة الرئاسة تحتدم، يوماً بعد آخر، سواء على مستوى المواصفات أو على مستوى الشخصيات، ومن المرجح أن ترتفع حدتها أكثر في المرحلة المقبلة، لا سيما مع إقتراب موعد الإستحقاق الإنتخابي.

وتشير المصادر الى أن فريق 8 آذار لم يتطرق لملف الرئاسة بعد لا من قريب ولا من بعيد، رغم أن المقاربات السياسية التي تحصل في البلد، منذ فترة حتى اليوم تتعلق بهذا الاستحقاق وحده، مشددة على أن كل النداءات بشأن ترك الاستحقاق لوقته فشلت، وعانى عهد ميشال عون من ضرر المعارك الرئاسية، علما أن المرشحين هذه المرة أشد وأقوى وأكثر مما كانوا عليه إبان مرحلة انتخاب ميشال عون.

أعلن فرنجية الحرب على باسيل، أم باسيل اعلنها على فرنجية، لا تريد المصادر القيادية في 8 آذار الدخول في هوية الطرف الذي بدأ الحرب، مشيرة الى أن الجميع كان يتوقع اندلاعها عاجلا أم آجلا، متخوفة من أن يكون المستفيد الأبرز سياسيا هو سمير جعجع، خصم باسيل وفرنجية معا، وممثل الفريق الخصم استراتيجيا، علما أن المشهد السياسي الحالي يجعل جعجع المرشح السياسي الأضعف، كونه لا يحظى بتعاطف أي كتلة من الكتل النيابية الموجودة حاليا في المجلس النيابي.

ترى مصادر 8 آذار أن المعركة الرئاسية بين الأقطاب المسيحيين فُتحت، ومعركة الشارع السني بين بهاء الحريري وسعد الحريري فُتحت، ولو أن كثير مما يُقال حولها ليس دقيقا، خصوصا لناحية قوة بهاء وضعف سعد، وكل ذلك في وقت يحاول فيه لبنان دخول المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، فهل يكون البلد ضحية المعارك الداخلية؟