في صلب الانهيار المالي الذي يعيشه المواطن اللبناني ، تبرز اليوم في البلاد انقسامات سياسية مماثلة لتلك التي حصلت بعد عام 2005 بين 14 اذار و8 اذار لو بشعارات اخرى واهداف اخرى. وفي ظل الاذاريين عاش لبنان انقساما سياسيا عاموديا مزق الوطن وقسم اللبنانيين الى مجموعات صغيرة ثم الى فئات اصغر ثم الى «فتات» من الناس لم تأت بنتائج وطنية للبنان فاتسعت الهوة بين الناس بعد ان امعن زعماء الاذاريين في تحريض الناس وفي تجييش النفوس للحصول على قدر اكبر من الشعبية حولهم. وفي زمن الاذاريين ، بلغت الطائفية والمذهبية اوجها واصبح كل مجتمع تابعا لزعيم طائفي يحرك ناسه بالاتجاه الذي يصب لمصالحه الشخصية وارتهانه الخارجي. وعليه، اصبحت الناس متشددة بشكل مخيف في توجهاتها السياسية اخلاصا لزعمائها وما ان تتبدل المصالح السياسية فتختلط الاوراق مجددا وتبرز تحالفات جديدة غير مبنية على مبادئ، تعود الناس الى القبول بهذه التحالفات وتبرر هذا التغيير في تحالفات زعمائها بحجة انهم يعلمون اكثر منها وان ثمة امرا ما يجهلونه وحده زعيمهم يعرفه وهو السبب الذي حثه على تغيير حلفه بهدف تأمين ملصحة جماعته وطائفته.

الارتهان للزعيم وتمترس كل طائفة ضمن تحالف سياسي وتخويف المجموعات اللبنانية من بعضها للاخر بسبب التمايز السياسي حصل في وقت الاذاريين . وامام هكذا اجواء سياسية اجتماعية غير سليمة من الطبيعي ان يتغلغل الفساد اكثر فاكثر في الدولة وان تصبح كل مؤسسة او جهاز امني او مجلس قضائي مقسما بين الاذاريين . فتأسيس حركة 14 اذار و8 اذار تم لاهداف وطنية ونبيلة رغم ان كل فريق كان له توجه سياسي مخالف للاخر وانما هذه الاهداف الوطنية نسفت لاحقا واصبحت خلافات وانقاسامات وتناتش المؤسسات والسعي الى الاستئثار بالحكم. ومع مرور الوقت ، سقطت هذه الحركات سواء 14 اذار ام 8 اذار وخف الانقسام العامودي في المجتمع اللبناني وتمت مصالحات كثيرة لم نكن ننتظرها على غرار مصالحة التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية ولاحقا القوات اللبنانية وتيار المردة كما خفف التيار الوطني الحر من حدة هجومه على الرئيس سعد الحريري وتياره ولجأ التياران الى تدوير الزاويا الى ان حصلت التسوية الرئاسية.

لسنا بحاجة لسرد ما حصل في اول ثلاث سنوات من التسوية الرئاسية وكيف انتهت اليوم لان الاحداث لا تزال ماثلة امام المواطن اللبناني انما ثمة حدث حصل في تشرين الاول من عام 2019 قلب الطاولة على الاذاريين سواء الذين في الحكم ام خارجه فنزلت الناس الى الشارع لتعلن رفضها لهيمنة اي زعيم عليها.

17 تشرين الاول 2019 شكل نقطة تحول في تاريخ لبنان ولن يكون محطة عابرة لا بل مرحلة تأسيسية للبنان الجديد الذي لم يعد خافيا على احد ان النظام السياسي القائم فشل في ادارة الدولة وبات اليوم الهدف الاول لانتفاضة 17 تشرين وضع الاسس لاعادة هيكلة لبنان.

اولا، لا يجب على ثوار 17 تشرين او اي مواطن لبناني ان يعود رهينة سياسة الزعماء فيغرق في خلافاتهم الذي هو براء منها والتي ايضا لا تاتي بالخير له والامثلة كثيرة.

ثانيا، لا نريد ان نأخذ طرفا في اي سجال داخلي لحكومة حسان دياب التي هي عبارة عن شد حبال بين الاحزاب الممثلة بوزراء تكنوقراط . والحال ان هذه السجالات لا تنخرط ضمن اهداف ثورة 17 تشرين وهذه الخلافات ليست معركتنا بل المعركة الحقيقية والمهمة هي التحضير للانتخابات النيابية .

نعم ان الانتخابات النيابية هي التي سترسم الطريق الجديد للدولة اللبنانية ولمسار الوطن الذي نحلم به. ثوار 17 تشرين الاول عليهم ان يكثفوا اجتماعاتهم ويعقدوا جلسات كثيرة لحين التوصل الى عناوين واحدة تضمن حقوق المواطن وترفض الفساد والارتهان للخارج وتشدد على المحاسبة وعلى تطبيق القانون في المؤسسات والاهم في تفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب.

اليوم، على ثوار 17 تشرين التحلي بالصبر وترك حكومة حسان دياب تعمل ما بوسعها لايجاد الحل الاقرب الى الازمة اللبنانية لانتشال لبنان من القعر الذي هو فيه الان. ذلك ان مطالبة اسقاط حكومة دياب ضرب من الجنون ولا تنفع احدا بل تضر الجميع.

اما عندما نقول لثوار 17 تشرين بان يتحلوا بالصبر فذلك لا يعني ان يبقوا مكتوفي الايدي ، لا يخططون لا يعدون لبرامج لا ينظمون مسارهم لدخول الحياة السياسية. فلا يمكن القول ان الثوار غير موحدين حول المطالب حيث لكل مجموعة من انتفاضة 17 تشرين تضع اولوية مختلفة عن مجموعة اخرى. والحق ان المطالب العادلة والاساسية لا يختلف عليها اثنان فهل الثوار سيتركون الساحة لمرشحي الاحزاب الذين جربناهم وعرفنا النتيجة؟ وهل الثوار سيكتفون فقط برفع شعارات تعبر عن المهم ووجعهم دون ان يتحضروا الى خوض غمار معركة الانتخابات النيابية ؟

الانتخابات النيابية هي الباب الاول للتغيير وهي الفرصة الذهبية لثوار 17 تشرين الاول . هذه الثورة رفضت الفساد والفقر والاستسلام لطبقة سياسية فاسدة كما انها كسرت حاجز الخوف وملأت الساحات تنديدا بظلم السياسيين الظالمين الذين سرقوا مالية الدولة وامعنوا في افقار الناس.

التحضير والتخطيط لتشكيل لوائح انتخابية ليسا بالامر سهل خاصة امام طبقة سياسية مخضرمة ومحترفة في اللعب على عواطف الناس وعلى اثارة الفتن. فمن اعتبر ان اسقاط حكومة سعد الحريري بعد نزول الناس الى الشارع انه حقق جزءا كبيرا من الانتفاضة فهو مخطئ لان الاستشراف للمستقبل وتحصين ثوار 17 تشرين انفسهم ببرامج وخطط واضحة لدخول الحياة السياسية امر بالغ الاهمية.

لقد حان الوقت لان تنتج انتفاضة 17 تشرين هيئة تضم قياديين وشخصيات تحمل رسالة وجع الناس وهمومهم والدفاع عن مؤسسات الدولة ومنع الفساد . نعم حان الوقت لان تبصر النور هيئة او ائتلاف يضم وجوها معروفة من الثوار قادرة على تحقيق مطالب الناس فلا تهادن ولا تتحايل على الثوار بل تتعامل بديمقراطية وعدل. اما اذا بقي ثوار 17 تشرين دون قيادة او هيئة او ائتلاف يمثلهم فهم سيفقدون نفوذهم شيئا فشيئا ويهدرون فرصة ذهبية ونادرة لخلاص لبنان.

اليوم، بين ثوار 17 تشرين وبين الاذاريين هوة كبيرة وبالتالي لا نقاط مشتركة ولا ملتقى طرق بينهما، واذا كان من فرصة لانقاذ لبنان هو دخول ثوار 17 تشرين البرلمان ليكون بداية الطريق لتطهير لبنان من بؤر الفساد والفاسدين والمرتهنين للخارج.