حين قرأ زعيم سياسي، بالكثير من التأني، نص البيان ـ القنبلة، علّق للتو «يبدو أن بهاء الحريري يخطط لاجتياح سعد الحريري» !

الشيخ سعد، بالرغم من افتقاده الحدس السياسي كونه هبط بالمظلة على السراي، كان يستشعر، أو يعلم، أن شقيقه يعدّ لأمر ما بدفع من جهات خارجية وأخرى داخلية، بمن في ذلك بعض البطانة في بيت الوسط.

شيء ما يشبه «الحركة التصحيحية» داخل العائلة. احلال بهاء محل سعد عله يستعيد دور أبيه، ولو بصورة جزئية، في الحد من التدهور النقدي، وان كان هذا الرهان يبدو سيزيفياً في الظروف الراهنة.

المعلومات التي كانت تصل الى رئيس الحكومة السابق ضبابية، ومبعثرة. لكنها كانت تشي بأن ثمة شيئاً ما يحدث وراء الضوء، وبأن غالبية أفراد العائلة يقفون الى جانب الأخ البكر بعدما آل الى ما آل اليه وضع سعد الحريري سياسياً ومالياً. هذا دون اغفال التعثر في التغطية السعودية، وتراجع ديناميكية العلاقات مع الاليزيه.

بهاء لم يستوعب، في يوم من الأيام، قرار الملك عبدالله بن عبد العزيز تتويج شقيقه وريثاً سياسياً لأبيه. ولطالما ردد أن سعد ليس مؤهلاً لادارة التركة التي توقع أن تضمحل داخل الأدغال اللبنانية. الآن يذّكر بهاء من يهمهم الأمر بتوقعاته، وبعدما تحولت التركة الى مجرد. .. ركام رومانسي.

ما صدر عن بهاء الحريري بيان مع ما يعنيه مصطلح «البيان» في اللغة السياسية، كما في اللغة الايديولوجية. مانيفستو ثوري يدعو الى اجتثاث المنظومة السياسية التي شقيقه أحد أركانها مثلما هو أحد أركان الخراب.

دعوة الى تغيير جذري في بنية النظام، وفي بنية المجتمع (الشعار الذي طالما رفعه فلاسفة الماركسية البائدة في القارة العجوز).

من حيث المبدأ، موقفه من «حزب الله» ليس بعيداً عن موقف تيار المستقبل. كمية الهواجس هنا أكثر بسبب غموض شخصية القائل، وغموض ارتباطاته، كما غموض الجهة الخارجية التي تدفعه الى الضوء في ظروف فائقة الحساسية، وحبلى بالاحتمالات.

البيان (المانيفستو) يختزل رغبة بهاء الحريري في القيام بانقلاب شامل، والى حد الاستيلاء على بيت الوسط. قناعته ان شقيقه «تبخّر». النقطة الحساسة هنا معلومات جهة تتتبع التفاصيل، وما وراء التفاصيل، بأن أشخاصاً يرتبطون ببهاء أقاموا علاقات تدعو الى التوجس مع نوع معين من رجال الدين الذين تصدروا المشهد ابان تواجد التنظيمات الاسلامية الراديكالية على سفوح السلسلة الشرقية.

هؤلاء يشيعون بأن سعد الحريري هو رجل التسويات العرجاء. كل رهاناته سقطت، ولم يعد لديه من حيلة سوى أن يلوّح، بتلك الطريقة الفولكلورية، بقميص أبيه.

حتى في الكلام الأخير، والصارخ، الذي صدر عن بيت الوسط، بدا الرجل وكأنه يدور حول نفسه. لا وليد جنبلاط الى جانبه، ولا سمير جعجع. وحيد في الحلبة. وكلام دونكيشوتي عمن يريد اغتياله سياسياً.

ماذا بقي من سعد الحريري ليكون هناك من يود اغتياله ؟ الدور الداخلي بات محدوداً للغاية، وقد بات من الصعب اللجوء الى قطع الطرقات بسبب التباين بين الحلفاء. العلاقات مع الدول العربية باهتة وغير ذات معنى، واشنطن وباريس تريان فيه شريكاً في أوديسه الخراب الذي أصاب لبنان.

قصة الاغتيال أكثر من أن تكون طفولية. الطبقة السياسية كلها أمام «أزمة البقاء». حملة مسرحية على العهد، كما لو أنه لم يكن رئيس حكومة العهد على امتداد نحو نصف الولاية ، وكما لو أنه كان باستطاعة العهد أن يرى النور لولا تلك الصفقة الباريسية الشهيرة.

بيان بهاء الحريري (البيان ـ القنبلة الذي لم يعلق عليه سوى مصطفى علوش) جاء ليظهر أن مخاوف الشيخ سعد كانت في محلها. ضجيج داخل الجدران في بيت الوسط. ثمة من يستعيد الخط الدرامي لرواية ديستويفسكي «الاخوة الأعداء». من يكسر من. .. !!