ما بلغه الواقع السياسي الداخلي،  وكل ما يحيط باداء الطبقة السياسية ينطبق عليه بالشكل والمضمون وقائع المسلسل السوري «ضيعة ضايعة»، حتى بات اللبنانيون قلقون الى حدود لبنان ما يتحدث عنه المسلسل المذكور، ووصولهم في فترة لا يبدو انها بعيدة ليجدوا «ان بلدهم تحوّل الى انقاض دولة» بحيث يتحول هذا البلد الذي كان رائعة الشرق الى مناطق ومحميات يتم توزيعها بين المرابين من السياسيين على اختلافهم وتنوعهم.

وهذه المخاوف الجدية لدى اكثرية اللبنانيين، كما يقول مصدر سياسي متابع لمسار الاداء الرسمي والسياسي، ومعهما معظم المعنيين بشؤون اللبنانيين على مختلف المستويات تقترب من ان تصبح واقعاً مفروضاً مع انعدام الافق حتى المتواضع، بحصول بعض المعطيات الايجابية التي تمنع تسارع الانهيار الداخلي وبلوغ البلاد مراحل يصعب السيطرة عليها سياسياً ومالياً واقتصادياً ومعيشياً، في وقت لم يغير اهل السلطة منذ انكشاف لبنان مالياً ونقدياً من طبيعة تعاطيهم مع مسببات الازمة والتوجهات المطلوبة لوضع الامور على سكة المعالجة، حتى مع حكومة الرئيس حسان دياب رغم الايجابيات التي تحدثت عنها في بيانها الوزاري وفي مواقف رئيسها ونقاشات مجلس الوزراء، لا تزال تتعاطى بارباك كبير مع ما كان يفترض بها ان تحققه خلال الثلاثة اشهر من عمرها، اما لتعدد الالغام السياسية التي تحاصر توجهاتها، واما لان عمل واداء جزء كبير من وزرائها محكوم بما تقرره الجهات السياسية التي «تمون» على من سمتهم من وزراء واللائحة في هاتين المسألتين طويلة وارتدت عدم القدرة على انجاز جملة من الخطوات والاجراءات للحد من الانهيار، رغم بعض الايجابيات التي تسجل للحكومة، من الاداء الايجابي لمواجهة وباء كورونا، الى التحقيق بالسياسة المالية لمصرف لبنان والبدء باعداد ملفات الفساد وتهريب مليارات الدولارات الى الخارج.

ما هي الاسباب والمعطيات التي تجعل المصدر السياسي قلق جداً على المسار الداخلي، وعلى تدحرج الامور نحو اقصى الخيارات الصعبة؟

يؤكد المصدر المذكور ان لا شيء يمكن ان يطمئن اللبنانيين الى نجاح الحكومة او قدرتها على تنفيذ بعضاً من بيانها الوزاري او ما تضمنته خطتها الانقاذية، ليس لعدم وجود الرغبة بذلك، بل لانها محاصرة من الداخل من جانب اكثرية المشاركين فيها، ومن الخارج من جانب قوى الاعتراض ومافيات المال وكل انواع المضاربات والثروات بكل الطرق غير الشرعية.

لكن الاخطر في كل ذلك، هو يتمثل في اداء الطبقة السياسية التي تحكمت ولا تزال بكل صغيرة وكبيرة منذ العام 92 وحتى اليوم، بينما جدل في كل السياسات التي اوصلت للانهيار، وهي حولت لبنان الى ما يشبه القبائل المتناحرة، على طريقة المثل القائل «كل فريق يغني على ليلاه»، اي بما يخدم سياساته الخاصة والحزبية بعيدا عن اولويات المصالح الوطنية، وهو يلاحظه المصدر في الآتي:

1- رغم بعض الفوارق البسيطة من هنا او هناك، فالامر الوحيد الذي يجمع بين اداء وسلوك القوى السياسية من اعلى الهرم، الى الاطراف التي تصنف نفسها معارضة، يقوم على اعادة تعويم نفس السياسات السابقة مع بعض التحسينات الشكلية وبما يتناسب مع ابقاء المحميات السياسية والحزبية والمذهبية ومنع المسّ بمحميات الفساد ونهب المال العام، رغم كل الفضائح التي تضرب الدولة والمال العام، ورغم كل ما يقدم من اخبارات حول جملة واسعة من ملفات الفساد والهدر وما يؤكد ان كل هذه الاخبارات والملفات لن تصل الى نهايتها المطلوبة، انها تحصل استنسابياً ولغايات سياسية في سياق الرسائل السلبية المتبادلة بين القوى السياسية، في وقت تمعن معظم القوى السياسية الهروب من مسؤولياتها عما حصل من نهب وهدر وصفقات وتفشي كل انواع المافيات في كل ادارات الدولة، وهي بالتالي تحمل المسؤولية الى خصومها السياسيين على الرغم من ان كل طرف من القوى السياسية يتحمل مسؤولية اساسية عن كل ما تعرض له المال العام من نهب وهدر، واخرها ما يتعلق بملف الكهرباء وبواخرها، مع وزراء التيار الوطني الحر، والامر ذاته ينسحب على كل القوى السياسية في كل الادارات والمؤسسات الاخرى.

2- اذا كانت التحقيقات القائمة في غير ملف فيه هدر ورشوات بما هو حاصل في ملف الفيول المغشوش او المضاربين بالعملة الوطنية، لكن كل المعنيين في الدولة، من العهد الى الحكومة، الى كل الاطراف المعترضة، لم تتعظ من كل التجارب السابقة حول فتح بعض ملفات الفساد التي وصلت الى الطريق المسدود، لانها لم تعط الاولوية لاستقلالية القضاء وتنقيته وابعاده عن التدخلات السياسية وبما يتيح فتح كل ملفات الفساد والهدر في كل ادارات ومؤسسات الدولة بعيداً عن غايات سياسية وان يتم اسقاط الحصانات عن اي مسؤول تدور حوله الشبهات مهما كان موقعه السابق او الحالي، وبالتالي ان لا تنحصر التحقيقات بجانب معين من هذه الملفات كما هو حاصل اليوم او تحييد هذا الوزير او ذاك المسؤول.

3- ان هذا المنطق وهذه السياسات الممهورة بالكيدية والمصالح الخاصة والمذهبية تنسحب على الملفات والقضايا الاخرى، من التبعيات وعلى كل ما حصل ويحصل من تغطية سياسية وطائفية لحيتان المال واصحاب المصارف ومصرف لبنان وكل ما يتعلق بتهريب مليارات الدولارات  الى الخارج والمضاربات على الدولار، والارتفاع الخيالي لاسعار السلع والمواد الاستهلاكية، فلو كانت اولوية الانقاذ وطمأنة اللبنانيين على مستقبلهم بما بلغته كل القضايا الحيوية هذا الفلتان وتمادي النهب من كل اصناف اصحاب الضمائر الميتة بدءاً من الذين هربوا اكثر من 20 مليار دولار الى الخارج لاسقاط لبنان مالياً ونقدياً.

4- بغض النظر عن احقية بعض ما قاله رئيس تيار المردة سليمان فرنجية في مؤتمره الصحافي قبل ساعات للحديث عن التحقيقات في ملف الفيول المغشوش، واتهام احد مناصريه بالرشوة وفي كل الشبهات بملف الكهرباء، لم يكن يستوجب دفع الوضع السياسي نحو هذه السخونة الكبيرة بين من همّ مشاركون في الحكومة ومن يفترض ان هناك ملفات اهم بكثير تجمع بينهم، ومن دون كل ذلك فرئيس تيار المردة من المؤكد انه على معرفة تامة بانه من شبه المستحيل اليوم احداث تغيير في رئاسة الجمهورية ويدرك ايضاً ان هذا التوتير السياسي سيرفع من المتاريس التي تحاصر الحكومة، فيما لوحظ ان فرنجية حاول تبرئة رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي في بيانه اللاحق لتوضيح انه خلال حكومة ميقاتي جرى تلزيم سمير ضومط (المقرب من الحريري) بواخر الكهرباء، رغم ان اداء الحكومة المذكورة ورئيسها، كان من اسوأ السياسات واقترب مما انفقته حكومة السنيورة من مليارات خارج القوانين.

5- قد تكون هناك نوايا ايجابية لدى البعض من القوى السياسية القليلة جداً، ومن الذين يتقدمون بشكاوى او دعاوى او اخبارات لدى القضاء لاظهار الحقائق في ملفات تفوح منها روائح الفساد والرشاوى والتهريب وما الى ذلك، لكن الجدية في المحاسبة وكشف الذين تورطوا بملفات الهدر والفساد وامور مشابهة لن تستقيم وتبلغ استعادة المال المنهوب وضبط الفلتان قبل اقرار كل القوانين التي تتيح الكشف عن هدر مئات مليارات الدولارات وكل الذين تورطوا بها وغير ذلك، هو مضيعة للوقت، ومحاولة، اما تبسيط حقيقة منظومة الفساد والهدر، واما توجيه رسائل سلبية نحو الخصوم للتغطية على ملفات فساد وهدر اكبر من ذلك بكثير. كما هو حاصل اليوم في جملة من الاخبارات التي رفعت امام القضاء، وكان آخرها الاخبار الذي قدمه عضو اللقاء الديموقراطي حول تهريب المازوت والطحين الى سوريا، حيث يؤكد المصدر ان هذا الاخبار رغم ضرورة منع اي عمليات تهريب، الا ان استهدافاته اليوم ابعدمن تهريب يحصل نحو سوريا، مع علم هؤلاء ان مكامن الهدر والفساد الاخطر والاكبر جرت وتجري داخليا من جانب كل انواع المافيات المحمية من جهات سياسية معروفة، واولها السبب الحقيقي لازمة السيولة بالدولار، وما اقترفه اصحاب المصارف من جرائم مالية بحق اللبنانيين جرى تغطيتها من جهات سياسية ومالية معروفة، مع ان عضو اللقاء الديموقراطي بهذا الاخبار يريد «التمريك» على قيادة الجيش والجمارك كونهما المسؤولان عن الحدود، وفي وقت يقول نائب اللقاء الديموقراطي ان كل الفعل الحقيقي لوقف التهريب مدخله التنسيق والتواصل مع الحكومة السورية، وغير ذلك ليس اكثر من هروب الى الامام.