منتهى الفظاظة أم منتهى الواقعية حين قال الجنرال الاسرائيلي افرام سنيه «الدولة في لبنان جثة ؟ المشكلة في أي مقبرة تدفن هذه الجثة». استطراداً، أي هــوية للجثة ؟!

في سهرة عند الوزير الراحل فؤاد بطرس، قال ديبلوماسي فرنسي ضاحكاً «لبنان لا يستطيع الا أن يكون على شاكلة بريجيت باردو، لا على شاكلة أسامة بن لادن». هونغ كونغ لا هانوي. قطعاً لم تكن هذه المسألة.

ربما كان الانكليز أقل رومانسية في توصيف الحالة، وفي كيفية الخروج من الحالة. في نظرهم، تبعاً لما ينفله ديبلوماسي عربي مقيم في لندن، أن لبنان سيبقى يتألم هكذا، وربما يحتضر هكذا، الى أن تنشب حرب بين سوريا واسرائيل، أو الى أن يعقد سلام بين سوريا واسرائيل، الى أن تنشب حرب بين ايران وأميركا، أو الى أن يعقد سلام بين ايران وأميركا. في الظروف الراهنة، الحل يبدأ بالمستحيل وينتهي بالمستحيل...

هل يعني ذلك البقاء في حضرة المستحيل... ؟!

الانكليز احترفوا استخدام السكين في تقطيع الخرائط. حدث هذا في اتفاقية سايكس ـ بيكو، ثم في لقاء البلقنة بين ونستون تشرشل وجوزف ستالين عام 1941. هم يعتبرون ألاّ مجال لتقطيع خريطة لبنان ليس فقط لضيق المساحة، وانما أيضاً للتداخل الجغرافي بين الكتل الطائفية. الحرب الأهلية أدت الى فرز واسع للسكان. هذا لم يحل المشكلة. جيوب مسيحية في المناطق الاسلامية، وجيوب اسلامية في المناطق المسيحية.

ثمة تبدل في المشهد. السنّة والشيعة نبشوا القبور، وراحوا يتراشقون بعظام موتاهم. لا مشكلة لدى المسيحيين ما دامت الطائفة المارونية تشكل الأكثرية، وما داموا يشعرون بكونهم أقلية مهددة بوجودها ما يستدعي التلاحم بين المكونات المسيحية على أنواعها.

المنطقة العربية قد تكون على قاب قوسين من البلقنة. كما البلقان عاش على حد السكين بسبب التداخل (والتناقض) بين الثقافات، وبين الأديان، كذلك الشرق الأوسط، مع ظهور اللوثة الأمبراطورية لدى كل من تركيا السنّية وايران الشيعية.

الانكليز لا ينسون أن ونستون تشرشل هو من وحّد الولايات العراقية الثلاث، ولاية بغداد، وولاية الموصل، وولاية البصرة، من أجل توحيد مرجعية النفط. الأميركيون يرون أن من أطلق عليه ستالين، ابّان مؤتمر يالطا، لقب «الروح القدس»، (أي تشرشل)، أخطأ كثيراً في تلك العملية. 

الآن، يفترض أن تقوم الدول الثلاث بعدما أخفق جورج دبليو بوش في تحويل العراق الى غرفة عمليات تدار منها المنطقة، وصولاً الى تركيا وايران.

لا امكانية لتقطيع أوصال لبنان جغرافياً. أوصاله مقطّعة سياسياً، وطائفياً. النظام الذي انبثق عن وثيقة الطائف، وقد اعتبره البعض مثالياً للتركيبة اللبنانية، تحوّل، على أيدي لوردات الحرب، الى حلبة للصراع. توتاليتاريات طائفية، أو مذهبية، بقيادات احترفت النهب المنظم للمال العام. أمّا وقد باتت الدولة طنجرة فارغة، على ماذا يتقاتلون ؟ على أن تبقى ثرواتهم، وموبقاتهم، خارج المساءلة...

الانكليز مثل الفرنسيين لا يثقون البتة بالطبقة السياسية. لبنان ليس هونغ كونغ ولا هانوي، ليس بريجيت باردو ولا أسامة بن لادن. ماذا اذاً ؟ قارب مثقوب يقوده القراصنة بين الأمواج العاتية. المنظومة الحاكمة لم تترك أي أثر للدولة في الدولة (أو في اللادولة)، وقد تحولت، مثلما تحول رعاياها، الى فقاعة.

توصيف جنائزي للحالة اللبنانية. هكذا يرانا الآخرون من هم على دراية بكل خفايا الأزمة. الاليزيه الذي تبنى أكثر من مؤتمر لانقاذ لبنان اقتصادياً، ومالياً، وقد هالته استراتيجية اللااكتراث، يرى الحل في مؤتمر سياسي يعقد في قصر فرساي، وحيث ولد لبنان لا في قصر الصنوبر، كما هو الشائع.

المشكلة أن اللوياجيرغا التي انتجتها صفقة (لا وثيقة) الطائف، لا تريد أن تفارق الحياة قبل أن تفارق الجمهورية الحياة!!