يعاني متعاطو الشأن العام هذه الايام من قلة فهم وقلة تهذيب وقلة دراية بعض المعلقين على المواقف والتصرفات. والانكى كما يقول امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، ان كل واحد بات يكتب ما يشاء على صفحات الفايسبوك من دون تدقيق وتمحيص وفهم للمواقف والامور. إذ قديماً كانت هناك عدة وسائل اعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة اما اليوم فهناك اربعة ملايين لبناني يكتبون. وكما يقول الصحافي فادي شهوان بات هناك آربعة ملايين إعلامي بسبب الفايسبوك وتويتر.

وتأتي هذه التعليقات من بعض الذين يريدون تسجيل موقف او تطبيقاً لمبدأ «خالف تُعرف»، او تبيضاً للوجه والمزايدة التي يضعها برسم زعيمه. او على طريقة «كسر مزراب العين» حتى يلفت النظر.

قبل رحيله، روى لنا المحامي المرحوم جوزيف الاخطل الخوري انه قال مرة لوالده الاخطل الصغير: «فلان توفى». فأجابه: «لعمرو ما يرجع.» فقال له المرحوم جوزيف:

- ولو... أنت الاخطل الصغير، شاعر الاحساس المرهف والوطنية والانسانية والحب والجمال واللباقة تقول مثل هذا الكلام؟.

فأجابه الاخطل الصغير:

- لا أسف على هذا المتوفى لانو بعمرو ما عمل نكتة ولا فهم نكتة ولا ضحك لنكتة.

فإذا كان البعض لا يجيد الكتابة ولا يفهم ما يكتب، فلماذا يعلق تعليقات خاطئة ومؤذية

 وغير صحيحة وغيرمجدية؟

منذ عدة ايام قرأت للصديق الشيخ جو الهاشم عبارة معبرة حيث قال: «انا مسؤول عن افكاري ولست مسؤولاً عن تفهمك لها ورأيك فيها».

أما المشكلة الاخرى، فهي ابتعاد الأوادم عن الدخول مع مثل هذا النوع من الناس في مناقشات ومهاترات حتى لا يعطوهم قيمة او ما يسمى بالفرنسية «crédibilité» منذ عشرات السنين انتقد الرئيس الملك كميل نمر شمعون، فتى العروبة الاغر إحدى الشخصيات. فتدخل صديق مشترك. فقال له الرئيس شمعون: «ان هجومي عليه يقويه ولا يضعفه. اسأل الذين يفهمون بالسياسة». ولكن المشكلة هي عندما يأتي الهجوم من صغار القوم بحق الاوادم الذين يحترمون انفسهم: مشكة اذا اجابوهم. ومشكلة اذا لم يجيبوهم. وهنا تكمن... المشكلة. اذ يخرج بعض المنبوذين الذين ينطبق عليهم القول: «اديش الك بالقصر؟... من مبارح العصر» والذين انتقدهم الكاتب والاديب جورج جرداق في معرض قوله ان ولداً عمره 13 سنة يغني اغنية ليالي زمان...وين كنت يا حبيبي من زمان حتى تتكلم عن ليالي زمان: ويهاجمون الأوادم. الا ان الكاتب والاديب سعيد تقي الدين لم يقصر عندما كتب عنهم:» مهما جهد الشريف ان يُقصّر دربه على الطريق القويم، فلا بد ان يعلق شيء من غبار على حذائه. وها انا انفض عن حذائي هذا التابعي الزحفطون».

فهل من حل مع هذا النوع من البشر؟.

أخبرني أحد الاصدقاء انه كلما همّ بتقديم شكوى ضد من يتعرض له يتدخل احد الاصدقاء المشتركين ويعتذر عنه. وهذا الامر ذكرني بطرفة منشورة في كتابي: القضاة والمحامون مواقف وطرائف ص 13:

«حصلت حادثة مع الوزير المحامي ميشال اده اثناء الحرب. فقد كان مكتبه في شارع المكسيك في القنطاري، ومنه يسافر الى افريقيا ويعود. اما المشاكل التي تعرّض لها خلال الحرب فهي انه احتجز اكثر من مرة على بعض الحواجز، وهتف به احد المسلحين: «صف على جنب». ثم كان هناك من يتدخل لإنقاذه وهو يقول: «بلا مؤاخذة يا معالي الوزير... هيدول جماعة غير منضبطين».

وفي اخر مرة اعتذروا اليه قال ضاحكا:

«لحد هلق ما تعرفنا الا على غير المنضبطين حرقة بقلبي شي مرة اتعرف على المنضبطين».

وقديماً كانت تحصل مناوشات كلامية عادية بين السياسيين ولكن سرعان ما تعالج على طريقة «ما تريد نيله بالارهاب، يسهل عليك بلوغه بالابتسام». فالانسان هو المخلوق الوحيد الذي يخلق لنفسه المتاعب بلسانه كما يقول معالي النقيب فؤاد الخوري.

واختم بهذا البيت المعبر من الشعر:

جراحات السنان لها التئام  ولا يُلتام ما جرح اللسان