انطفأت سريعاً القنبلة الدخانية التي احدثها مؤخراً بيان بهاء الحريري، لكن اسئلة عديدة تبقى مطروحة حول خلفيات واهداف الشقيق الاكبر لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري من هذا الهجوم غير المسبوق والرغبة في الدخول الى الساحة السياسية على انقاض مملكة بيت الوسط.

ولعل ابرز الاسئلة التي لم تحظ باجوبة واضحة هي المتعلقة بالجهات الخارجية التي تقف وراء الابن البكر للرئيس الشهيد رفيق الحريري، خصوصاً بعد ان اوحى في بيانه انه يملك القدرات اللازمة لكي يكون بديلا لشقيقه في قيادة الشارع السني وفي لعب دور فاعل على الصعيد الوطني.

ومما لا شك فيه ان زيارة السفير السعودي وليد البخاري لبيت الوسط بعد بيان بهاء وما احدثه من ردود افعال عند الرئيس الحريري وتياره جاءت لتهدئة خواطر رئيس المستقبل وتطمينه بان المملكة ليست وراء ما اقدم عليه شقيقه.

لكن المبالغة في تفسير هذه الزيارة وابعادها من قبل اوساط الحريري هي ايضا ليست في محلها، باعتبار ان بعض المقربين اللبنانيين من السفارة يرون ان المملكة لا تؤيد بيان الابن البكر للرئيس رفيق الحريري ولا تريد حصول صدام بين الشقيقين، لكنها في الوقت نفسه ما زالت على موقفها في العلاقة مع سعد الحريري والتحفظات العديدة عن ادائه منذ اتفاقه السابق مع التيار  الوطني الحرّ.

ويقول هؤلاء صحيح ان للقيادة السعودية مآخذ عديدة على سعد وادائه لكنها لا تحبذ احداث شرخ او صراع في البيت الواحد، ولا تريد اقفال بيت وفتح آخر من العائلة الواحدة.

ووفقاً للمعلومات فان هذا الموقف وصل الى مسامع مسؤولين لبنانيين كانوا استفسروا عن اهداف وخلفيات بيان بهاء وتوقيته، ويقال ان سعد حظي بتعاطف من اطراف عديدة وحتى من خصومه،  الامر الذي يعكس عزلة محاولة شقيقه الاكبر خصوصا بعد تجربة توقيف رئيس الحكومة السابق في المملكة.

من ناحية ثانية، تدور علامات استفهام حول شبكة العلاقات السياسية التي يستند اليها بهاء الحريري في الخارج. لكن المعلومات الشحيحة عن هذا الموضوع تشير الى ان لديه علاقات مع رجال اعمال وسياسيين اميركيين منذ اكثر من عشر سنوات يندرج معظمها في اطار تحسين اوضاعه كرجل اعمال وتوسيع مساحة نشاطه الاقتصادي وهذا ما يعزز فرصته في الانتقال الى لعب دور سياسي يسعى اليه منذ فترة طويلة.

ولم يتضح حتى الآن، ما اذا كان بهاء قد فاتح بعض اصدقائه الاميركيين بالرغبة في العودة الى لبنان، لكن هناك من يعتقد بان الادارة الاميركية الحالية غير مهتمة كثيراً بالرهان عليه في لعب دور آني على الساحة اللبنانية، وهي تفضل الابقاء على خطابها السياسي الذي يتمحور حول موقفها المعلن الداعم «لانتفاضة الشعب اللبناني وتطلعاته الى التغيير».

وفي ما يتعلق بمواقف دول اخرى فان فرنسا تنأى بنفسها عن مثل هذه التحركات المتصلة في ما يسمى الشارع السنّي، مبدية تعاطفا مستمرا مع الرئيس سعد الحريري وتجربتها معه في مؤتمرات باريس المتتالية.

وفي المحصلة يمكن القول ان حركة بهاء الحريري لا تحظى بدعم اميركي او سعودي او فرنسي مباشر، لكنها ربما تراهن على الحصول على مثل هذا الدعم في المستقبل مستفيدة من تراجع رصيد شقيقه سعد السياسي في الداخل والخارج.

وعلى الصعيد الداخلي يبدو ان بهاء وفريق عمله لم يوفقا في خطوتها وحساباتهما حتى الآن، ولم يحدثا «الصدمة» التي اراداها لا على صعيد الشارع السنّي ولا على صعيد الساحة السياسية بصورة عامة.

وكما يقول الوزير السابق رشيد درباس في احد تصريحاته فان التعويل على انقسام في الشارع السنّي بين سعد وبهاء «مبالغ فيه»، خصوصاً ان بهاء لم يأت بخطاب جديد يخرج البلاد من ازماته.

وبرأي مصدر سياسي فان تركيز الابن البكر للرئيس رفيق الحريري على خطاب متشدد سبق ان مارسه شقيقه في مرحلة سابقة وفشل فشلاً ذريعاً، هو الخطأ الاكبر الذي ارتكبه ويرتكبه منذ مباشرة سعيه للعودة الى لبنان ولعب دور سياسي قيادي في الشارع السنّي.

اما الرهان على استثمار الانتفاضة الشعبية وركوب موجتها فهو رهان في غير محله، اذ ينطبق المثل عليه «يطعمك الحجة والناس راجعة» هذا عدا ان ادواته وفريق عمله في لبنان لا يملكون المواصفات المطابقة للعب اي دور في ما بقي من انتفاضة.

وهنا لا بد من الاشارة الى معاونه الرئيسي المحامي نبيل الحلبي الذي حاول ان يلعب مثل هذا الدور تحت عناوين عديدة منها «المنتديات الشبابية» و«الناشط الحقوقي» وغيرهما، لكنه لم يلق او يحظ بأي تجاوب يذكر، باستثناء قلّة من المعارف والاصدقاء والمستفيدين من «دعم رجال اعمال في الخارج» كما عبّر الحلبي عندما تحدث عن تمويل نشاطه.

ووفقاً للمعلومات فان بهاء الحريري الذي يقال انه لا يملك صفات سخاء والده، قدم بعض الدعم المالي المحدود  لمجموعات شاركت بالاحتجاجات في بيروت وطرابلس، وانه لم يخف رغبته في زيادة هذا الدعم.

وفي المقابل، فان بعض رجال الاعمال المقربين من سعد عمدوا في المقابل الى الدخول على الخط لدعم انصار  تيار المستقبل وتوفير الحد الادنى من المعونات العينية والمالية المحدودة لمواجهة بهاء.

واذا كان سعد الحريري قد استطاع احتواء بيان شقيقه وتداعياته فانه حسب مصادر سياسية، لم ولن يهدأ ويستكين خصوصا في ضوء المعلومات التي ترده باستمرار عن ان شقيقه ماض في توسيع فريق عمله السياسي في لبنان، وهو بصدد بناء هيكلية لحركته السياسية تستند الى خبرات اقتصادية وسياسية واعلامية.

وتتحدث المصادر عن ان رئيس الحكومة السابق بصدد اعادة ترتيب فريق عمله في  ضوء المستجدات بعد بيان شقيقه، وانه لا يستطيع الاتكال على الفريق الضيّق الذي بقي يحيط به، ولذلك فان بيت الوسط سيشهد حركة غير عادية في هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة.