باتت الملفات تتكرر في لبنان بشكل دوري، فمنذ عام تقريبا بلغ الحديث عن المعابر غير الشرعية بين لبنان وسوريا أوجّه يوم كان الياس بو صعب وزير دفاع، فانشغل اللبنانيون بهذا الملف، ورميت الاتهامات في شتى الاتجاهات. ها هو الملف يُعاد فتحه اليوم مجددا، من قبل نواب كتلة «الجمهورية القوية»، الذين صوبوا سهامهم نحو حزب الله كضامن لهذه المعابر، ونحو الجيش السوري على اعتباره الراعي الرسمي للتهريب من الجهة السورية.

«هو ملف حق يُراد به باطل»، تقول مصادر سياسية مطّلعة، مشيرة الى أن عمر التهريب بين لبنان وسوريا من عمر الجمهورية اللبنانية، وأسبابه واضحة ومعروفة وهي تنقسم الى سببين رئيسيين، الأول هو التداخل بين الأراضي اللبنانية والاراضي السورية، والثاني هو الحاجة الاقتصادية لاهل الشمال والبقاع، وغياب الدولة عنهم وعن حاجاتهم، وضعف اقتصادهم، مشددة على أن التهريب انطلق لأجل هذين السببين، دون أن تنفي أنه تطور مع الزمن وأصبح يتخذ أشكالا أشمل وأوسع ويجب وقفه وضبطه.

وتشير المصادر الى أن فتح الملف من قبل نواب القوات اللبنانية هدفه التصويب على حزب الله وسلاحه ومقاتليه، اذ من المعلوم لدى الجميع أن سلاح حزب الله القادم من سوريا لا يمر عبر المعابر الشرعية بين البلدين، لاعتبارات امنية لا تعدّ ولا تُحصى، مشددة على أن هذا السلاح هو هدف القوات، التي لا تخفي مطالبتها بنشر جنود دوليين على الحدود اللبنانية السورية، في مشهد مماثل للجنود الدوليين على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وهذا ما لا يمكن أن يحصل في أي وقت من الاوقات.

بالنسبة الى المعابر، تشير المصادر الى أن الكلام عن أن عددها يزيد عن 100 معبر هو كلام كاذب، فعندما نتحدث عن تهريب البضائع، فهذا يعني أن المعابر التي يمر عبرها أشخاص على أقدامهم، غير محسوبة، كاشفة أن عدد معابر التهريب لا يزيد عن 10، بينما عدد المعابر المخصصة للأفراد يصل الى حوالي الـ 50. وتضيف: «لا يزال البعض يستند في ملف المعابر غير الشرعية على تقرير للأمن الدولي أُعدّ في العام 2018، ويتحدث عن وجود 136 معبرا غير شرعيّ، ولكن ما يغيب عن بال هؤلاء ان الجيش أعاد تصويب هذا الأمر وخلصت التقارير الى وجود ما لا يزيد عن 10 معابر أساسية تُستخدم لتهريب منتجات الخضار، الالبسة التركيّة، والتبغ والمازوت».

حاول الجيش اللبناني مرارا إقفال المعابر غير الشرعية، ولكن لا يوجد أي دولة في العالم قادرة على فعل ذلك، وربما يكون مثل الولايات المتحدة الأميركية خير دليل على ذلك، فمنذ عشرات السنوات بدأ التهريب بين المكسيك وأميركا ولا يزال رغم كل المحاولات الاميركية. في لبنان قام الجيش بكل ما يمكنه القيام به لوقف التهريب، ولكن المعابر التي تُقفل تعود للعمل بعد ساعات من إقفالها، ولا يمكن للجيش أن ينتشر على طول الحدود، ولا تكفي الأبراج التي شيّدت بالتعاون مع دول اوروبية أبرزها بريطانيا وعددها 74، من وقف التهريب. وفي هذا السياق تشير المصادر الى أن كلام أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله عن ضرورة التعاون مع سوريا لوقف عمليات التهريب أو تقليصها للحد الانى، لم يكن كلاما سياسيا جديدا، بل هو نفس الكلام التي خلصت اليه الاجهزة الأمنية منذ عامين، عندما اكدت انها فعلت ما بوسعها، ولتحقيق المزيد لا بد من التعاون مع الجيش السوري، ليصبح الضبط مضاعفا، ومن جهتي الحدود.

الجديد في هذا الملف، هو تلميح السيد نصر الله الى أن التهريب سيبقى مستمرا لحين تواصل الحكومة اللبنانية مع الحكومة السورية، وهنا تشير المصادر الى أن نصر الله كان واضحا بأن حزب الله الذي حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن لبنان بوجه التكفيريين ولم ينتظر مؤازرة الحكومة له، لن يلعب هذا الدور مجددا في ملف التهريب، اذ حان للحكومة أن تتحمل مسؤولية البلد، ولا يوجد فرصة أهم من هذه الفرصة للتواصل مع الحكومة السورية رسميا، لضمان مصلحة لبنان بعشرات الملفات، لا التهريب فقط، اذ لا يزال ملف النازحين بانتظار التنسيق الكامل، ولا يزال تجار لبنان ينتظرون طلب الحكومة اللبنانية من نظيرتها السورية تخفيض الضرائب عن عمليات مرور البضائع من سوريا الى الدول العربية.

اتخذ مجلس الوزراء قرارا مميزا بشأن مصادرة الشاحنات والسيارات والمواد المهرّبة، وهذا القرار يشكل ركنا أساسيا من أركان مكافحة التهريب، ولكن يتّخذ ملف المعابر غير الشرعية أهمية لارتباطه بالسياسة، لان حجم تأثيره على الاقتصاد اللبناني لا يوازي 10 بالمئة من حجم الخسائر التي تنتج عن التهرب والتهريب الذي يجري عبر المعابر الشرعية، مع العلم أن الخسائر في هذا المجال وصلت الى حدود مليار و750 مليون دولار سنويا.