كبشر أسوياء، يفترض أن نجثو أمام الاله الأميركي. هكذا يدعو أحفاد البيوريتانز (الطهرانيون) الذين تمثلوا خروجهم من أنكلترا، منتصف القرن السابع عشر، الى الضفة الأخرى من الأطلسي كخروج موسى من مصر، ابان عهد الفراعنة، الى ارض الميعاد.

في الكتابات الأميركية، ان مايك بنس، بالشخصية الواهية والملتبسة، يتولى ادارة المنطقة اللاهوتية في رأس دونالد ترامب. الماشيح المنتظر هو أميركا. الظاهرة الالهية التي تتواجد فيها كل الأمم، بالمعجزات التكنولوجية التي لا يستطيع اجتراحها سوى الله.

جورج دبليو بوش كان يشيع بأن ثمة خطاً ساخناً بينه وبين السماء. ما جرى في أفغانستان وفي العراق انما جرى برغبة الهية تتوخى تحطيم البرابرة. هذا ما يحدث، ايضاً، وان بطرق مختلفة، في سائر انحاء العالم. خذوا علماً بأن كل الأهوال التي يعيشها الشرق الأوسط تعود الى رفض البعض الاقرار بأن أميركا هي الماشيح المنتظر.

هنا مجتمعات، ودول، متخلفة. لم تتمكن من التفاعل مع الظاهرة، ما ينسحب على بعض العروش التي لم تخرج البتة من ثقافة القبيلة، حتى ولو ارتبطت، عضوياً، بالاله الأميركي.

تلك الجماعات التي تتحدر من البيوريتانز تعتبر أن استخدام الايرانيين مصطلح «آيات الله» اهانة للذات الالهية، وانتهاك للمفهوم الفلسفي لله. بمعنى آخر، الوثنية ظهرت بشكل حاد، في الشرق الأدنى، وبلغت ذروتها في انتشار الايديولوجيات المجنونة. ولقد آن الأوان لتحويل المنطقة الى ركام. اسرائيل وحدها تبقى «لؤلؤة الله».

آراء ظهرت، تباعاً، في أميركا، وتشير الى الجوانب اللاهوتية في «صفقة القرن». في نظر عرّابي الصفقة أن الاسلام مضى بعيداً في التآكل الايديولوجي، والتاريخي. عملياً، سقط بمرور الزمن. ..

لا تعني شيئاً الملايين التي تتكدس في المساجد، فيما العيون، والنفوس، تقدح شرراً. هذه مسالة فولكلورية. المسلمون، في غالبية الدول ذات الأكثرية الاسلامية، تعيش تحت القرن. لم تدخل الا كحالات استهلاكية في جاذبية الحداثة.

دونالد ترامب لم تأت به صناديق الاقتراع. كما في القصص الدينية، انشقت السماء، وهبط مبعوث الهي في البيت الأبيض، لكي يعيد الاعتبار الى الجنس الأبيض. قيل أن الرجل، في سن المراهقة، كان مأخوذاً بالكو كلوكس كلان، بشعار الصليب المحروق، والتي كانت تطارد الزنوج في بطون أمهاتهم. ..

هكذا زعزع كل المعادلات الدولية. خرج من الاتفاقات الثنائية، أو الجماعية (الاتفاق النووي، اتفاقية المناخ، اتفاقية النافتا، معاهدة الصواريخ المتوسطة المدى. ..).

من عقود، الفرنسي كلود جوليان وضع موسوعة حول الولايات المتحدة. توقف فيها عند البنية اللاهوتية التي تحكم العقل الأميركي. هنا دولة الخلاص. ما فعله الأميركيون أنهم أبدلوا البيت القديم الذي كان يقيم به الله ببيت حديث. هيكل آخر، كما لوأن السيد المسيح لم يصرخ في وجه الفريسيين : أنا الهيكل!

بدل الدوران حول المسيح، الدوران حول اميركا التي أنيطت بها صلاحية ادارة الكرة الأرضية. من في هذا العالم لا يوجد في دورته الدموية شيء من أميركا...

برنارد لويس، المستشرق الأميركي ومهندس البنية الايديولوجية للمحافظين الجدد، تحدث، منذ عقود، عن «الحطام اللاهوتي الذي يحكم، عبثياً، الشرق الأوسط». المسألة هنا، وكما يرى فريق مايك بنس، ليست استراتيجية فحسب. ميتافيزيقية أيضاً. ولكن ألا يثير هذا مخاوف الكاتب في «النيويورك تايمز» ديفيد بروكس، وقد خشي أن يجعل دونالد ترامب من المنطقة «تلك العربة القديمة التي تجرها آلهة مجنونة»(برنارد لويس)، البوابة الكبرى الى نهاية العالم.

بعد الكورونا، سأل المخرج الهوليوودي الشهير مايكل مور ما اذا كانت أميركا قد باتت البوابة الكبرى (أو البوابة الزجاجية) الى نهاية العالم. قال «لا مكان حتى لندفن... موتنانا». سأل بمرارة ما اذا كانت أميركا يهوذا هذا الزمان لا الماشيح «الذي ننتظره في آخر الزمان» !!