الخوف يتملك الناس . الجوع كبير والعوز اكبر في البيوت والناس فقدت مداخيلها. لبنان دولة مفلسة والحكومة تفاوض صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدة المالية لتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي والمالي في البلاد. سعر الصرف يرتفع والليرة سقطت وتنهار شيئا فشيئا الى وقت ستفقد قيمتها بالكامل اذا استمر الوضع على ما هو. والخسارة الكبيرة والتي ستظهر تداعياتها السلبية في المستقبل القريب هو الهجرة التي ستتجدد وهذه المرة بنسبة كبيرة فيفقد لبنان خيرة شبابه واساس وجوده وبنيته والقوة المولدة للتغيير.

وفي موازاة ذلك, هناك سلطة تجمد التشكيلات القضائية ولا تزال تريد وضع القضاء تحت قبضتها اضافة الى تأجيل التعيينات المالية سواء من نواب حاكم مصرف لبنان ولجنة الرقابة والاسواق المالية بسبب الخلاف على المحاصصة. وايضا, هذه السلطة تواصل شن حملة مسمومة ضد حاكم مصرف لبنان وتطلق الاتهامات عليه وتحمله عبء الانهيار المالي والاقتصادي الذي يعيشه لبنان رغم ان الظروف الحالية دقيقة جدا واي هجوم غير متوازن على مسؤول في الدولة هو ضرب من الجنون. وهذه السلطة لا «تنطق» باي كلمة حول الهدر الذي حصل ويحصل في الكهرباء والمليارات التي دفعها الشعب اللبناني خلال سنوات طويلة والانكى ان المواطن لم يحصل على الكهرباء سوى بضع ساعات. وهذه السلطة لا توجه انتقادات للتهريب الذي يحصل على الحدود والذي يستهلك موارد لبنان الذي يعاني ازمة اقتصادية كارثية ولا يواجه الفساد في الاتصالات وفي وزارات ومؤسسات اخرى.

والمختصر المفيد ان هناك توجهين في الدولة : توجه يريد ايجاد الحلول للدولة المفلسة ولشعبها الفقير المحروم من ابسط الحقوق الى جانب تطبيق اصلاحات وتوجه اخر يفكر بانانية بنفوذه وسلطته وتعيين اتباعه في ادارات الدولة ومن حين الى اخر يطلق شعارات ضد الفساد ولكن في الصميم لا قرار سياسياً بالاصلاح وخير دليل على ذلك ان الاتهامات بالفساد تطال شخصاً او شخصين وتنتهي عند هذا الحد . وبمعنى اخر ان الحزب او الجهة التي تريد فعلا محاسبة الفاسدين لا تفتش عن كبش فداء بل تكون المحاسبة بناءة تحاسب كل من اخل بالقانون من المسؤولين الرفيعين ولا ترى الفساد بعين واحدة بل بالعينين.

ذلك ان الكيدية السياسية في محاسبة الفساد ليست فعلا محاسبة في مفهومها العام بل في وضع برنامج يبدأ بتغيير النهج السائد في ادارات الدولة والذهنية القائمة في كيفية التعاطي مع المال العام.

اليوم اللبناني لم يعد يستطيع مواصلة العيش في هذه الاجواء السيئة والمشحونة والمسمومة ناهيك عن اوضاعهم المعيشية المتردية بل المواطن هو اول من يطالب باعادة هيكلة الدولة اللبنانية وليس فقط اعادة هيكلة الدين. والحال ان الكارثة الفعلية تكمن في هذا النظام السياسي الفاشل ولذلك المواطن اللبناني الذي نزل الى الشارع في 17 تشرين الاول 2019 رفع الصوت عاليا بانه يريد لبناناً جديداً ويعني بذلك لبنان مرتكز على نظام سياسي عادل يتقارب مع رؤيتهم لوطنهم. وعندما يطالب المواطن اللبناني بتغيير بالنظام السياسي لا يعني انه يريد المثالثة بل يريد وطن يسقط حكم الفاسد والزعماء الذين تلاعبوا بمصيره وافقروه وجوعوه.

نعم هذا التغيير الذي يسعى اليه المواطن اللبناني وكانت صرخته مدوية في ساحة الشهداء في بيروت وصيدا وطرابلس والنبطية وكل المناطق اللبنانية. هذا هو الامل الحقيقي لخلاص لبنان ببقاء شبابه وعائلاته ونسائه ورجاله ليحققوا ذلك فلا تهب رياح الهجرة من جديد من جهات خبيثة لتكتمل المؤامرة على لبنان وعلى كيانه ووجوده.