يفتح رئيس الحكومة حسان دياب اكثر من جبهة دفعة واحدة، بعد ان شعر انه محاصر من اكثر من جهة داخل حكومته ومن خارجها، لكنه يخوض هذه المعارك متسلحا بعدم وجود بديل له في هذه المرحلة، وهو امر يقر به اشد خصومه في المعارضة، كما يعول كثيرا على دعم حزب الله، وهو يقول في مجالسه الخاصة ان الحزب اكثر المسهلين لعمله، واقل الاطراف المسببة «للصداع» داخل الحكومة وخارجها، وهو يشبه دور الحزب «بكاسحة الالغام» التي تحتاجها الحكومة التي تبين من عمرها القصير ان الاغلبية فيها ليست على «قلب» واحد،ولعل الاكثر خطورة بالنسبة اليه،انكشاف البعض في عدة محطات مفصلية، وكانوا بمثابة «حصان طروادة» لمصالح المعارضة..

هذا الانطباع لدى رئيس الحكومة، بدأت تتبلور ملامحه منذ «الاصطدام» الثلاثي الكبير مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، في ملفات حاكم مصرف لبنان، وعودة المغتربين، عندما هدد وزراء امل بالاستقالة، وملف الخطة الحكومية لتمويل القطاعات المتضررة من «كورونا» والتي تم اسقاطها في الجلسة العامة في مجلس النواب، شعر دياب حينها ان ثمة «شيئاً مش ضابط» في العلاقة، وعلى الرغم من محاولات «رأب الصدع» التي جرت خلال الاسبوعين الاخيرين، والزيارة الاخيرة لدياب الى عين التينة، الا ان العلاقة لم تستعد حرارتها، وبحسب اوساط مطلعة على هذا الملف لا تزال «البرودة» تحكم العلاقة بين الرجلين، حيث يرغب الرئيس بري في مستوى اعلى من «التنسيق» معه في الملفات الحساسة، فيما لا يزال دياب متمسكا «بهامش» معين في العلاقة التي تحكم السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويريد ان يقدم نفسه كرئيس حكومة قوي، جاء من خارج «النادي»، لكنه يريد اثبات بانه لا يفرط بصلاحيات طائفته، ولذلك يمكن وصف العلاقة مع «عين التينة» بانها غير مريحة..

في هذا الوقت، تستمر «العاصفة الأرثوذكسية» في «وجه» رئيس الحكومة على خلفية «الكباش» الحاصل على منصب المحافظ الذي يشغر بعد3 أيام، ففيما تنتهي ولاية محافظ بيروت القاضي زياد شبيب في 19 الجاري، لا يزال الخلاف قائما بين دياب المصر على تعيين مستشارته للشؤون الصحية بترا خوري في المنصب وبين متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس وتوابعها المطران إلياس عودة، الذي يؤكد انه لن يقبل بان يفرض على الطائفة اي اسم «بالقوة»، وبانتظار ما سينتهي اليه هذا «الصدام»، ستكون نتائجه تأسيسية للمرحلة المقبلة، فاذا نجح رئيس الحكومة في فرض رأيه، ستفتح «الطريق» امامه للانطلاق بتعيينات مشابهة في مراكز طائفية اخرى، وسيستند حينها على نظرية «الاكفأ» في طائفته، اما اذا «رضخ» للضغوطات والتسويات، فستكون مهمته اصعب حين الانتقال الى المراحل الاخرى والتي سيكون فيها «الصدام» داخل طائفته..

لكن المفاجأة في اداء دياب، كانت قبل ساعات من خلال افتتاح اول الملفات الصدامية مع التيار الوطني الحر عبر ملف الكهرباء، ووفقا للمعلومات، لم تنفع الاتصالات التي اجراها وزراء «التيار» مع مرجعيتهم السياسية في «ميرنا الشالوحي»، في منع رئيس الحكومة من حسم الجدل والتوتر الذي ساد في جلسة الحكومة حول بناء المعامل «بالتصويت»، وكان مصرا على انهاء الملف رافضا تأجيله في ظل اقتناعه بوجهة نظر وزراء حزب الله، وحركة امل، وتيار المردة، وكذلك الطاشناق، الذين اعترضوا على انشاء معمل في سلعاتا «البترون»، نظرا لارتفاع تكلفته، وعدم الحاجة اليه، وسط اصرار من «التيار» على تمريره، على خلفية «تطييف» معامل الكهرباء، وفق قاعدة 6 و6 مكرر،اي لكل طائفة معمل «كهرباء»..

ووفقا لاوساط سياسية مطلعة لم تكن الرئاسة الاولى على اطلاع حيال توجهات رئيس الحكومة بحسم الملف بالتصويت، والا لكان نوقش الملف في جلسة للحكومة في قصر بعبدا، ولم يكن عون ليسمح بحصول تصويت، والتسبب بخسارة سياسية ومعنوية لفريقه السياسي، لكن رئيس الحكومة، اخذ «روحا» بموقف حزب الله في الجلسة، واراد توجيه «رسالة» واضحة للجميع بانه لا يعمل الا وفق قناعته، والامر ليس في اطار الصراع السياسي مع احد، بل مجرد قرار تقني بحت يخفف الاعباء عن الدولة «المفلسة»، وهو ليس مقتنعا بجدوى انشاء معمل في سلعاتا خصوصا انه استمع لعدة اراء فنية تقول بان لبنان لا يحتاج الا لمعملين، ولذلك كان الخيار بالتخلي عن المعمل الاكثر تكلفة..

وفي هذا السياق لن تكون «طريق» دياب «مفروشة» بالورود في هذا الملف، «فالصدمة» داخل «التيار» قد تترجم ادوات تعطيل خلال التفاوض الذي سيقوم به الوزير، «وباب» «الزكزكة» السياسية مفتوح على مصراعيه خصوصا اذا ما حسم رئيس الحكومة امره بالذهاب الى تعيين هيئة ناظمة، ومجلس ادارة، لقطاع الكهرباء، وسيكون «الكباش» في ذروته مع التيار الوطني الحر الذي يقاتل لابقاء الملف بيد وزيره.. وامام هذه المعطيات يبدو ان رئيس الحكومة مقبل على «مطبات» سياسية كبيرة، خصوصا اذا ما باشر بالدخول الى «البيت السني» حيث وعد بعدم عودة اي من المعينين السابقين الى مراكزهم، وهذا ما سيؤدي الى مواجهة مفتوحة مع «تيار المستقبل» في السياسة «والشارع»، يضاف الى ذلك «الصراع» المفتوح بين «التيار البرتقالي» «والمردة» والذي سيبلغ ذروته بالرد المرتقب للوزير جبران باسيل يوم الاحد المقبل..كل هذا يحصل على وقع الخلاف مع حاكم مصرف لبنان الذي يرغب باقالته، والتفاوض الصعب مع صندوق النقد، «ومصيدة» «كورونا» المستمرة في تعطيل البلاد اقتصاديا، «والبرودة» مع بري، واذا كان دياب يشعر «بالقلق» لان حزب الله لن يغير استراتيجيته، ولن يتدخل «لرأب الصدع» بين حلفائه، الا انه يراهن على دعم الحزب لبقاء الحكومة، ويعتبر انه لا يملك شيئا ليخسره، ويحشر خصومه داخل الحكومة وخارجها بعدم وجود بديل عنه في هذه المرحلة، وسط غياب الاهتمام الدولي والاقليمي بالملف اللبناني، وهو سيعمل على استغلال هذين العاملين حتى «آخر رمق...».