شرف لويس أبو شرف ـ نقيب الاطباء

الحديث عن لويس ابو شرف هو في الحقيقة حديث عن الأخلاق والرؤيا السياسية، لا عن السياسة. يتبادر الى ذهني دوما السؤال الآتي: هل يمكن لأي لبناني أن يعيش مثله؟ لنرَ اولا كيف عاش لويس ابو شرف. قد تكون حياته درسا لنا، وكذلك موته واقفا على شرفة منزله...

في حياة لويس ابو شرف ورحيله دروس كبرى. ففي حياته يعلّمنا كيف يجب ان نعيش لأننا لبنانيون قبل كل شيء، مسيحيين ومسلمين، ولأن لنا قضية كبرى في هذا الشرق هي قضية الحرية والديمقراطية التي تتآمر عليها القوى الكبرى والصغرى حفاظا على مصالحها... لذا نرى أن لا مكان عندنا للمجاملة والخنوع.

ترك لويس ابو شرف حزب الكتائب اللبنانية في بداية ثورة 1975 لأنه آمن أن لا مجاملة في الثورة وفي تجربة الحلول. فعلّمنا كيف يجب أن نعيش وأن نموت من أجل القضيّة. ولأن أغلب القادة لم يلتزموا نموذج لويس أبو شرف، نحن الآن حيث نحن، في هذه الأزمة التي نعيشها. فكرة لويس ابو شرف تتمثل في الأدراك منذ البداية أنه لا يوجد عندنا رفاهية الأختيار، لأن صراعنا وجودي. عدوّنا على الحدود الجنوبية يعمل ضمن خطة واضحة وبرنامج واضح. ممارساته تدل على ذلك. استخدمنا الغرب واسرائيل وقودا لتوطين الفلسطينيين وللحصول على ثروتنا المائية والنفطية، والخلاف حتى على الحدود معهم، برا وبحرا، خير دليل على ذلك. وجاءت الوصاية السورية فالنزوح السوري ليزيدا الطين بلّة، رغم أن سوريا مستهدفة كغيرها من الدول. لذا فالمطلوب هو مواجهة من نوع آخر. المطلوب سلاح آخر هو سلاح الأخلاق والعلم والعقل. أدرك لويس ابو شرف أنه لا يوجد لدينا سلاح آخر للتجربة، وعندما تنازلنا عن هذا السلاح خسرنا قضيتنا وخسرنا ذاتنا. هذه كانت معضلتنا الأساسية، رغم أن قسما من الناس كانت لبعضهم نيّة حسنة. ربما لم يكونوا على اقتناع بهذه القضية، وربما كان عليهم الاّ يشاركوا في الحرب. هذا احد أسباب فشل حرب 1975 وكذلك فشلت حلول اتفاقية الطائف وغيرها من الاتفاقيات. هذه المساومات والتجارب، رغم حسن النيّة، تؤثر على معضلة وفشل بنيوي كبير في الأزمة اللبنانية المزمنة. .

لويس ابو شرف مثّل الأنموذج الصلب الذي لا يساوم. ولهذا آمن بلبنان الجنة وقال:

ليس لبنــــان قطعةً من حــدودِ

لو رعى الحقُ غيَّ كلِّ حسودِ

إن للبنانَ فكرةُ اللهِ في الارضِ

وهــل لانطلاقها من حـــــــدود

سوف يبقى لبنانُ ما بقيَ اللهُ

ونــورُ الايمانِ ملئُ الوجـــــودِ

( «لبنانيات» لويس أبو شرف. النهار.)

هذا هو الأنموذج الصلب الذي نحتاجه، وهي الطريقة الفضلى التي عاشها لويس ابو شرف، وعاشها الكثير من المفكرين والسياسيين اللبنانيين، مثل ريمون اده وموسى الصدر وحسن خالد و... من هنا يجب أن تكون الفكرة واضحة منذ البداية. لا مجال للمساومة ولا للمقايضة على البديهيات... وشعارنا الأساسي يجب أن يكون دوماً حرية، ديمقراطية، علم وأخلاق. وإن لم يكن هذا شعارنا فذلك خيانة لمن ماتوا لنحيا، وسيكون أيضاً مؤشر فشل. لا نعجبنّ من فشلنا بعد هذا الخلل البنيوي الذي تسببنا به.

أما كيف يجب أن نموت؟ فكما أراد لويس أبو شرف أن يموت، واقفاً رافضاً كل المساومات، كما ساوم البعض. ولهذا كان استهدافه، بسبب تمثيله هذا الانموذج الفريد، واستهداف اللبنانيين أمثاله. ولذا يفيد التذكير مرة أخرى بفكره أنه لا يوجد عندنا حل إلا بالعلم والعقل والأخلاق. اننا مستهدفون بتصفية وجودنا. بالنسبة الى لويس أبو شرف هو درس حقيقي: أن نعيش كلبنانيين أصيلين إذا كنا نهتم بمصير أبنائنا وأحفادنا، وببقائنا كشعب ودولة. او يجب أن نعيش بطريقة مختلفة، لأن التحدي الذي يواجهنا يختلف عن أيّ تحدّ تواجهه شعوب الأرض.

حبذا نتعلّم مرة أخرى من لويس أبو شرف كيف يجب أن نعيش في هذه الظروف الأليمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وصحيًا، وكيف يجب أن نموت لنحيا...

* نائب، رئيس لجنة التربية لسنوات عديدة، وزير وخطيب مفوّه، استشهد بشظية قذيفة على شرفة منزله في 15 نيسان 1989.