مع تحرك الجهات القضائىة المختصة للتحقيق في جملة من ملفات الفساد والهدر والمضاربة بسعر الليرة اللبنانية تطرح تساؤلات وعلامات استفهام كثيرة حول ما هو مطلوب من المحاسبة في الاف قضايا الفساد والهدر والرشى والصفقات وكل ما يحيط بالاسباب والخلفيات التي افضت الى الانهيار ولا تزال حيتان المال والسياسية والمضاربات وكل انواع الكيديات تمعن في دفع البلاد نحو الفوضى والافلاس الكامل.

ورغم ان ما يقوم به القضاء كما يقول سياسي لبناني مخضرم - في سبيل جلاء الحقيقة عن مجموعة كبيرة مما سيحصل وما زال في عدد كبير من المرافق العامة او التي لها علاقة بالاستقرار المالي النقدي لكن هذه الخطوات رغم كثير من ايجابياتها فانها غير كافية لتبيان كل ما تعرض له المال العام من نهب وهدر بل ان الملفات التي فتحت في الفترة الاخيرة هي نقطة صغيرة في «بحر الفساد» الذي ضرب كل شؤون الدولة وماليتها العامة بمختلف وجوهها واصنافها، حتى ان الملفات التي فتحت مؤخرا لا تقتصر على تزوير في مستندات الفيول او لجوء عدد كبير من المضاربين الى جمع ثروات بطرق غير شرعية وعلى حساب اللبنانيين ومعاناتهم، ففي مسألة الفيول المغشوش ما كان يحصل في استيراد الفيول لمعامل الكهرباء فالهدر والرشى والصفقات ضربت ولا تزال كل ما يتعلق بقطاع الكهرباء وبواخرها وكل التلزيمات التي حصلت في هذا القطاع الى جانب قطاع استيراد النفط والغاز وكذلك الامر في مسألة المضاربة بالدولار فما قام به بعض كبار الصيارفة من مضاربات حصل بتغطية وتمويل من مصرف لبنان وهو ما اعترف به مدير العمليات النقدية في مصرف لبنان مازن حمدان الى جانب عدد كبير من اصحاب المصارف وهو ما كشفت عدد كبير التحقيقات عنه حول ما يقوم به نقيب الصيارفة محمود مراد وعدد كبير من الصرافين والوسطاء بالتلاعب بسعر صرف الليرة اللبنانية ما يفترض عدم اختصار التحقيقات على هؤلاء بل ان تشمل بشكل اساسي الذين يمارسون دور المضاربة بالليرة في مصرف لبنان والمصارف، حيث يقوم المصرف والمصارف بتزويد وتمويل الصيارفة والامر نفسه ينسحب على التحقيقات التي حصلت قبل فترة في مصلحة تسجيل السيارات في الدكوانة حيث روائح الصفقات في كل ما حصل خلال السنوات الماضية في تلزيم بناء مراكز المعاينات للمحطتين الامر ذاته ايضا في كثير من الصفقات التي انجزتها وزارة الداخلية في مراحل سابقة.

واستتباعا يقول السياسي اللبناني انه حتى لو حصلت التحقيقات في بعض الملفات المفتوحة امام القضاء اليوم واحتمال فتح ملفات اخرى لكن المسار الاصلاحي واظهار الحقائق حول كل ما حصل من نهب للمال العام وتهريب ضريبي وجمركي مؤشرات الامور المماثلة لن يصل الى النتيجة المطلوبة اذا كان هناك في الدولة ومن كل الحريصين على انهاء منظومة الفساد باخراج البلاد من هيمنة المافيات السياسية والمالية دون محاسبة الفاسدين، وفي الاولوية الفاسدين الكبار الذين جمعوا ثروات بمئات ملايين الدولارات وبعضهم وصلت ثرواته الى مليارات الدولارات.

ومن هنا، يبدو جليا ان ما يحصل اليوم من فتح لبعض ملفات الفساد وهدر المال العام سيتعرض لنكسة غير محسوبة في حال بقي اهل السلطة ومعهم كل القوى السياسية التي تحمي الفاسدين بقوة الغطاءات المذهبية والسياسية على تغييب منطق المحاسبة وفي احسن الاحوال التعاطي مع هذه القضية وما يحيط بها من استرجاع للمال المنهوب على قاعدة «6 و6 مكرر» او تصفية الحسابات السياسية او «نحن انقياء شرفاء والاخرون متهمون».

ولو ان المسؤولية عن نهب المال العام تختلف بين فريق او نافذين في الدولة فالبعض كان له دور فاضح في جمع الثروات غير الشرعية له ولازلامه والمحيطين من حوله، والبعض الاخر لعب «شاهد الزور» بين ادارة شؤون الدولة وعلى كل المستويات.

ولذلك فالاصلاح والمحاسبة ستبقى مجرد شعارات ووجهة نظر، وفي احسن الاحوال مسألة مبتورة ولا تؤمن اسقاط كل انواع محميات الهدر والفساد من دون خطة واضحة ومحددة تأخذ في الاولوية المسائل الاتية:

1- توقف القوى السياسية المختلفة عن سياسة النكايات او تصفية الحسابات وبما يوصل الى وجود التزام لدى كل القوى السياسية بالمحاسبة الشاملة التي تسقط الحمايات السياسية والمذهبية عن اي شخص متهم بالفساد، مهما كان موقعه داخل هذه القوى وفي الدولة وهو ما يحتاج الى ان تبدي القوى السياسية المختلفة الاستعداد لمثول اي مسؤول فيها امام القضاء، وعبر رفع الحصانات السياسية والطائفية وعبر اصدار قوانين في مجلس النواب تتيح للقضاء محاسبة اي مسؤول مهما كان الموقع الذي شغله او ما زال في الدولة ومن كل المتعاطين بالشأن العام.

2- اقرار كل القوانين التي «تمنح القضاء الاستقلالية الكاملة ماديا وفي كل ما يحيط بالتعيينات وادائه وبما يوصل الى تنقية القضاء لان ذلك هو المدخل الوحيد للمحاسبة بعيدا عن الاتهامات والاتهامات المضادة بين القوى السياسية على غرار ما قاله رئىس تيار المرده سليمان فرنجيه قبل ايام بما خص التحقيقات في الفيول المغشوش، وما حصل في مرات عديدة سابقا عندما فتح ملف مصرف لبنان وقبل ذلك، ما فعله فؤاد السنيورة من صرف اكثر من 11 مليار دولار دون حسيب او رقيب واللائحة تطول.

3- لن يستقيم الاصلاح والمحاسبة دون فتح الملفات منذ عام 94 وحتى اليوم حيث الهدر والانفاق على السمسرات والصفقات تتجاوز مئات مليارات الدولارات من حرمان الدولة لعشرات المليارات بل واكثر من ذلك بكثير من سرقة سوليدير لوسط بيروت ولاحقا ملايين الامتار في النورماندي، وكذلك ما حصل من نهب للمال العام مع شركتي ليبانسيل وسيليس الى الانفاق للمحسوبيات والازلام الذي قام به السنيورة عبر الهيئة العليا للاغاثة الى صرف حوالى مليار دولار على المحكمة الدولية بطرق احتيالية، الى الصفقات والرشى التي كلفت الدولة مليارات الدولار في وزارات الاشغال والطاقة والاتصالات (والخليوي وغيره) مجلس الانماء والاعمار، مرفأ بيروت وكل المرافق العامة الفوائد الخيالية من جانب مصرف لبنان لاصحاب الثروات الضخمة الاملاك البحرية وما بينهما من تسلط بقوى حيتان المال والسياسة على املاك الدولة البرية والنهرية، زيتونه باي - ملعب الغولف والعشرات العشرات، المقالع والكسارات وصفقات النفايات واللائحة لا تستثني اي مرفق عام وكل المؤسسات والصناديق فحتى في وزارة الاعلام مثلا حصلت صفقات وتنفيعات من جانب الوزراء المعنيين والازلام، صفقات ايجارات الابنية للمؤسسات والادارات الرسمية والدولية التي كلفت الدولة منذ 94 وحتى اليوم مليارات الدولارات. وما يزيد «الطين بلة» كما يقول السياسي المذكور - ان كل الحكومات وحتى الحكومة الحالية لم تنفذ حتى اليوم اي اجراءات جدية للحد من الهدر ونهب المال العام في كل المرافق، بدءا من مرفأ بيروت وباقي المرافئ الاخرى حيث يؤكد البنك الدولي ان نسبة المحاصيل من المرافئ انخفضت من 6.18 بالمئة عام 1997 الى 6.04 في الاعوام الاخيرة ففي مرفأ بيروت وحده هناك هدر يصل الى مليار و300 مليون دولار وحتى لا يصل الى الخزينة من مبلغ الـ 300 مليون دولار التي يجبيها المرفأ اليوم سوى 80 مليون دولار والباقي يذهب تنفيعات وتوزيع للمكاسب بين القيمين على المرفأ.والى جانب ذلك فالحكومة ومعها القوى السياسية عليها اعادة النظر بما كان يحصل وما زال من انفاق لمئات مليارات الليرات اللبنانية للتنفيعات والمحسوبيات او لما يسمى في القوانين والمراسيم بدل تعويضات لمهام تدخل في صلب عمل العاملين في القطاع العام من اعلى الهرم الى ادناه منها بدل تعويضات بمبالغ خيالية عن حضور اجتماع او تلبية دعوة للخارج تعويضات بمبالغ ضخمة في القطاع التربوي عن مراقبة الامتحانات الرسمية مثلا يحصل رئيس اللجان الفاحصة على حدود 90 مليون ليرة مقابل الاشراف على الامتحانات والحبل على الجرار لكل المسؤولين الاخرين وهذه التعويضات الخيالية تحصل نفسها في كل ادارات ومرافق الدولة ومؤسساتها المختلفة عدا الرواتب الخيالية لمئات الموظفين وتعويضاتهم حيث تصل لدى بعضهم الى 20 مليار ليرة. وفي الخلاصة فكل ما «يجتره» المسؤولون ومن كل المواقع الرسمية والسياسية حول الاصلاح والانقاذ «سيبقى حبرا على ورق» ومجرد شعارات فارغة لاقناع مناصريهم والرأي العام بكليشيهات سياسية «لا تسمن ولا تغني عن جوع» وبالتالي فالتعويل على صندوق النقد الدولي وغيره هو مجرد «مسكنات» للهروب الى الامام.