يفصل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، بين التيعينات في المراكز التي شغرت في مؤسسات الدولة، والاستقرار في الجبل الذي يعتبره اولوية، لتعزيز المصالحة التي تكرست في المختارة 2001، ورعاها البطريرك الماروني الراحل نصرالله صفير، وطوت صفحة أليمة من حرب الجبل، التي  حصلت في سياق الحرب الاهلية بين اللبنانيين، ودامت 15 سنة.

وحاول جنبلاط ان يبقي على المصالحة قائمة، ويدعم ركائزها، فمد خطوط التواصل مع «التيار الوطني الحرّ»،  الذي لم يكن حاضراً في اثناء عقدها وزاره مؤسسه ورئيسه العماد ميشال عون في المختارة، قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية، للتأكيد على وحدة الجبل، ثم حضر رئيس الاشتراكي مع عائلته ونواب وقيادات من حزبه، مصالحة متجددة دعا اليها وزير شؤون المهجرين غسان عطالله في دير القمر صيف 2018، وعكرها خطاب لرئيس «التيار الحر» الوزير جبران باسيل، الذي استعاد ما حصل في القرن الثامن عشر، من معارك بين الدروز والمسيحيين، وهو ما استفز جنبلاط الذي كان اعتبر ان هذه الصفحة السوداء بين الجماعتين، اصبحت من التاريخ، وهو الذي يعتبر ان حوادث الجبل منذ ايام السلطنة العثمانية، كانت من تدبير الخارج وفق اوساطه التي تشير الى سلوكه التصالحي.

وحصلت حادثة قبرشمون في اوائل حزيران 2019، لتعيد التوتر الى الجبل عموماً وقضاء عاليه خصوصاً، الذي كان الوزير باسيل يجول فيه، فاعتبر كلامه في الكحالة استفزازياً لجنبلاط ومناصريه، فقطعوا الطريق في قبرشمون - البساتين، لمنع موكبه من العبور الى كفرمتى، لزيارة شيخ العقل ناصر الدين الغريب، المسمى من النائب طلال ارسلان وحلفائه في دار خلده، وهو ما اعتبره الوزير صالح الغريب اعتداء على الكرامة، فقرر ان يواكب باسيل الى بلدته، وحصل الاشتباك المسلح ووقع شهداء وجرحى، وكل طرف وصفه بالكمين المدّبر ضده، هذه الحادثة جرى استيعابها، بعد مساجلات سياسية والى اي جهة قضائية ستتحول، وتطلبت جلسات الحكومة، الى ان حصلت مصالحة جديدة في القصر الجمهوري برعاية الرئيس عون، بين جنبلاط وارسلان، المشاركين في حكومة واحدة برئاسة سعد الحريري الذي انحاز الى جنبلاط، واصطف باسيل مع ارسلان.

الا ان تجديد المصالحة في دير القمر، ثم في القصر الجمهوري، لم يعط الطمأنينة لجنبلاط القلق دائما على الزعامة الجنبلاطية، التي قويت اثناء توليه لها، وهذا النهج هو من صلب تفكير كل العائلات الاقطاعية والسياسية، لذلك فإن بقاء عائلته السياسية واستمرارها، هو ما يريده زعيم المختارة، الذي نقل الارث السياسي الى نجله البكر تيمور، يشكل درعاً سياسياً له، حتى يقوى عوده بالزعامة، وهو لا يرتاح للعهد الحالي، الذي لم يؤيد جنبلاط وصول عون الى القصر الجمهوري ثم سار في «التسوية الرئاسية» التي نظر اليها على انها ستحجمه، فارتاب من اداء الحريري وتفاهمه مع باسيل كما حاول ان يهادن العهد بعد كل فترة يهاجمه ويدعو الى اسقاطه، وهذا ما حاوله قبل اشهر، لكنه لم ينجح في خطته، وفق مصدر سياسي مطلع، اذ لم يتمكن من جمع الرئيس الحريري ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في تحالف ضد عهد عون لمحاصرته وإسقاطه، وقد يؤدي ذلك الى فوضى دموية. قد وقع لبنان في «حراك شعبي» وازمة مالية - اقتصادية - اجتماعية، فاقمها ظهور وباء «كورونا»، وارتفاع نسبة الفقر والجوع والبطالة، وهذا ما ترك رئيس الاشتراكي يعيد النظر في الاولويات، نعرات طائفية، مع تفشي مرض التحريض الطائفي والمذهبي، والتضليل الاعلامي، على مواقع التواصل الاجتماعي الفوضوية وغير المسؤولة وخارج المساءلة والمحاسبة.

فقرر جنبلاط مع سعاة الخير، الى اعادة ترتيب «بيت الجبل» والحفاظ على سكانه، فقام العميد ولسن نجيم، وهو من بلدة معاصر الشوف المجاورة للمختارة بمبادرة مع الوزير السابق ناجي البستاني للتخفيف من الاحتقان، فتم توقيف بث ما يعيد احداث مؤلمة، على اذاعة نشأت عبر «الانترنت» يملكها جان نعمة في دير القمر، وتحويلها الى الموسيقى، بعد ان دخل رجال دين وحزبيون على خط اثارة الغرائز، كما يكشف المصدر الذي يؤكد ان زيارة جنبلاط الى القصر الجمهوري، جاءت من قناعة لديه، للحفاظ على الاستقرار في الجبل، ولاقاه رئيس الجمهورية الذي لا يريد ان يحصل في عهده ما يعكر الامن ويعيد الاقتتال بين اللبنانيين لا سيما في الجبل، الذي خرج جنبلاط من بعبدا بشعار «تنظيم الخلاف» مع «التيار الوطني الحر»، كما هو قائم مع «حزب الله»، على ان تعود اللقاءات بين الطرفين، وسبق ان شكلت لجنة تنسيق بينهما.

اما في مسألة التعيينات في المراكز الشاغرة لقيادة الشرطة القضائية، ونائب حاكم مصرف لبنان، وهيئة الاسواق، اضافة الى المدير العام لوزارة الصحة الذي يشغر آخر الشهر الحالي، فإن المسألة درزية - درزية، لمن تكون الحصص، لجنبلاط او للنائب ارسلان الذي قدم مرشحيه لها، وكذلك فعل جنبلاط، الذي مد خطوط اتصال مع مراجع في الدولة، للاختيار كيلا يلغى حقه.