مع انطلاق المفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد الدولي على خطة الانقاذ التي كان اقرها مجلس الوزراء وبما يتيح الحصول على ما يمكن ان يقره الصندوق من قروض بالدولار حيث رهانات القوى السياسية المشاركة في الحكومة وتلك التي تسمي نفسها قوى الاعتراض على اقتناع اصحاب القرار في الصندوق والدول المقررة فيه وتحديدا الولايات المتحدة بإمداد لبنان ببضعة مليارات من الدولارات على شكل قروض لبدء اخراج الوضع المالي النقدي الاقتصادي من حال الانهيار الشامل.

لكن ما يثير الريبة لدى اهل السلطة وداعميهم في مسألة الرهان على صندوق النقد ان كل هؤلاء يرهنون الحد من الانهيار تدريجا على ما سيحصل عليه لبنان من صندوق النقد وايضا لتحريك قروض مؤتمر «سيدر» في مرحلة لاحقة ما يعني ان كل ما يتم العمل له اليوم ليس اكثر من محاولة كسب مزيد من الوقت في احسن الاحوال طالما الاجوبة لدى اهل السلطة وكل الاطراف التي تتحمل مسؤوليات سياسية عن الاسباب التي اوصلت الى الانهيار وتحديدا ما حصل طوال ثلاثين عاما من نهب للمال العام تجاوز مئات مليارات الدولارات.

ويؤكد خبير اقتصادي متابع لمسار الصراع السياسي الداخلي ان الامعان في الرهان على ان صندوق النقد وقروضه تتعدى مخاطرها النتائج التي ستفضي اليها المفاوضات بين الحكومة والمسؤولين في الصندوق الى مخاطر اشمل واوسع على الوضع الداخلي انطلاقا من الاتي:

1- بغض النظر عن شروط صندوق النقد وما سيقرره من قروض للبنان فحتى الخروج من الازمات المالية والنقدية والاقتصادية بصندوق النقد تعني حتما ان الطبقة السياسية بكل تلاوينها ومعهم اصحاب المصالح من رجالات الدين وكل منظومة الفساد لن تسمح بفتح ملفات هدر المال العام بكل اصنافه خلال 30 عاما والدليل على ذلك الممارسات المختلفة التي سارع العديد من القوى السياسية ورجال الدين حماية للمعنيين في مصرف لبنان وبعده في قضية محافظ بيروت ولاحقا ما اعلنه رئىس تيار المرده سليمان فرنجيه وكل ما حصل من تجييش مذهبي لحماية فؤاد السنيورة والحبل على الجرار.

وهذا المسار الوحيد الذي تتمترس وراءه الطبقة السياسية واربابها من رجال الدين وحيتان المال في المصارف وغيرهم نتيجتها الوحيدة اعادة التجديد لمنظومة الفساد والهدر وكل من يغطيهم سياسيا ودينيا وماليا وبالتالي اسقاط ما بدأته حكومة حسان دياب من فتح للعديد من ملفات الفساد والهدر وبما يتيح لاحقا فتح كل الملفات التي تورطت بها كل المنظومة السياسية المالية والنقدية وقبلهم وبعدهم ما جرى من نهب للمال العام في كل مؤسسات ومرافق الدولة دون استثناء على اعتبار ان اي محاسبة او فتح لملفات الهدر والفساد اذا لم تطل الاسماء الكبيرة من حيتان المال التي جمعت ثروات بطرق غير شرعية تتجاوز مليارات الدولارات ستبقى دون طائل وسيبقى الرهان على الانقاذ على صندوق النقد ليس اكثر من محاولة كسب مزيد من الوقت وفتح مكامن هدر جديدة لهذه الطبقة عبر قروض صندوق النقد.

2- بعيدا عن هذه الرهانات للقوى السياسية وداعميها على صندوق النقد ليس هناك من معطيات لحصول لبنان على بضعة مليارات من الدولارات التي تراهن عليها منظومة الفساد في وقت تتم محاصرة الحكومة وحصر التحقيق ببعض ملفات هدر المال العام دون ان تطال «مغارات علي بابا والاربعين حرامي» التي يختبئ فيها كبار حيتان المال فمن تعاقبوا على السلطة وما زال الكثير منهم في مئات المواقع والمراكز الاساسية ولكن ممنوع على الحكومة والقضاء محاسبتهم وإلزامهم بإعادة ما نهبوه من مليارات الدولارات بل الى عشرات مليارات الدولارات طوال 30 سنة.

3- كل الاجواء والمعطيات لدى صندوق والنقد وما يطرح في المفاوضات من جانب المكلفين بهذه المفاوضات ان الصندوق لن يسير بأي حلول «ترقيعية» ستضغط القوى السياسية المختلفة بما يتعلق بتنفيذ بنود اصلاحية اساسية تضمنها خطة الحكومة اولها استرداد الاموال المنهوبة ومحاربة الفساد بكل ابوابه وهيكلة المصرف المركزي وقطاع المصارف واسترداد الاموال المهربة للخارج وعائدات الهندسات المالية وإلغاء عشرات المؤسسات والصناديق التي تحولت الى محميات سياسية.

وهذا حصار للحكومة لمحاولة تنفيذ اصلاحات ضرورية واساسية على مستوى هيكلة الادارة وإلغاء عشرات المؤسسات والصناديق يعني ان لا امكانية لما يطالب به صندوق النقد من تصحيح للخلل الكبير في المالية العامة وخفض نسبة الدين العام الى الناتج المحلي فمن دون اصلاحات جذرية واساسية في القطاع العام واستعادة بعض من الاموال المنهوبة.

4- هناك شروط اخرى تحمل مخاطر اكبر على لبنان إن من حيث رهن لبنان لشروط صندوق النقد ولو انها «بلبوس» مالي واجتماعي الا انها حتى المضمونة ستحدث مزيداً من الانكماش ومزيدا من المعاناة على مستوى حياة اغلبية اللبنانيين وتحديدا ما يتعلق برفع الضريبة على القيمة المضافة وتحرير سعر الدولار ورفع الرسوم على المحروقات وغيرها الى جانب اشتراط خصخصة بعض القطاعات الاساسية التي يعوّل عليها بعد تصحيح الخلل ومكامن الهدر والفساد فيها ان تضخ الجزء الاكبر من الواردات للخزينة، من الخليوي الى مرفأ بيروت وباقي المرافئ الاخرى، في وقت لا ضمانات بأن لا يصار الى تقاسم خصخصة هذه المرافق بين النافذين وحيتان المال فيما المدخل الوحيد توجه يخرج هذه القطاعات من كونها محميات سياسية لنهب المال العام بأن يحصل تحويل هذه المرافق الى «B.O.T» عبر استدراج مناقصات دولية شفافة تفضي الى مردود ضخم للخزينة والبدء بتسديد الدين العام بعد اعادة هيكلته حيث ان قطاع الخليوي فقط يمكن ان يؤمن للدولة على 20 عاما مثلا ما يزيد عن 30 مليار دولار.

5- الى جانب الحصار السياسي للحكومة ورفض معظمها لكل بنود الحكومة الاصلاحية التي تتعلق بمكامن الهدر والفساد تبرز ايضا اعتراضات حاكم مصرف لبنان رياض سلامه على خطة الحكومة وكذلك اعتراضات جمعية المصارف غير المبررة من معظم ما تقترحه الخطة من اصلاحات مالية ونقدية فهي «كشّرت» عن اسنانها وحاولت التنصل من المسؤولية التي يتحملها اصحاب المصارف وسياساتهم الريعية عن الانهيار بحجة عدم استشارتها وبالاخص ما يحيط بالكمّ الهائل من الفساد الذي استشرى في القطاع المصرفي.

6- رغم ما يحيط عملية المفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد من هبّات «باردة واخرى ساخنة وبالتالي فليس هناك ما يشير الى احتمال موافقة الصندوق على ما تطرحه الحكومة او ما سيتم اقراره لاحقا في مجلس النواب في وقت معظم المعنيين في الدولة يراهنون بأن تصل المبالغ التي سيقدمها الصندوق للبنان الى ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار على فترة خمس سنوات، الا ان هذا الرهان كما يقول الخبير الاقتصادي غير واقعي وغير قابل للصرف لدى الصندوق لجملة اعتبارات لها علاقة بالحد الاكبر الذي يمكن ان يخصصه الصندوق للبنان والذي لا يتجاوز ثلاثة او اربعة مليارات دولار بينما مع الانكماش الذي يواجه معظم اقتصادات دول العالم ورغبتها بالحصول على مساعدات وقروض من الصندوق سيؤدي الى «تراجع كبير في قيمة المبالغ التي سيوافق عليها الصندوق حتى بعد اقتناعه بكامل الخطة وبعد اقرارها في مجلس النواب.

7- ان ما تراهن عليه الحكومة من اجل استقطاب دعم كبير من الصندوق لا يبدو هو ايضا واقعيا، إن من حيث التعديلات التي يتوقع ادخالها على الخطة بعد النقاشات في مجلس النواب وما سترفعه القوى السياسية عبر كتلها النيابية من افتراضات وتعديلات لا تتناسب مع نتائج المفاوضات بين الحكومة وصندوق النقد، كما رهان الحكومة بالنسبة للتحويلات من الخارج وبخاصة من المغتربين او ما هو متوقع من زيادات بعد رفع الضرائب والرسوم في وقت هناك لا تحصل تحويلات كبيرة من المغتربين قبل عودة الثقة الى المالية العامة والقطاع المصرفي في لبنان والامر ذاته على مستوى الزيادات من الضرائب والرسوم حيث ان كل اللبنانيين وقطاعاتهم الاقتصادية المختلفة يعانون من الانكماش والركود ولن يمكنهم ليس من زيادة الضرائب والرسوم بل حتى من دفع نسب الرسوم والضرائب المتراكمة.

وفي الخلاصة يقول الخبير الاقتصادي ان ما تحاول الطبقة السياسية والجهات الرسمية المختلفة بدءا من الحكومة التعويل عليه من صندوق النقد هو تعويل في غير محله ويتجاوز الحجم الفعلي لما قد يقدمه الصندوق من قروض للبنان حتى بعد نجاح المفاوضات واقتناع الصندوق بكامل الخطة وآليات تنفيذها حيث ان كل ما يمكن ان يحصل عليه لبنان لن يتجاوز في افضل المتوقع اربعة مليارات دولار وعلى دفعات وهذا المبلغ لن يمكن الحكومة من احداث نقلة نوعية في اعادة تعويم الوضعين المالي والنقدي واراحة السوق النقدية وبما يعيد الثقة الى لبنان وقطاعاته المختلفة وعلى رأسها القطاع النقدي وقطاع المصارف بينما كل التوقعات تشير الى ان صندوق النقد لن يقتنع بوعود كلامية في الخطة للاخذ بما يتوقعه المعنيون في الدولة وعلى مستوى القوى السياسية المختلفة للهروب من اي التزامات جذرية وشاملة على مستوى الاصلاح ومحاربة الفساد واستعادة المال المنهوب والامر نفسه ينسحب على حديث البعض عن اعادة تعويم اموال «سيدر» رغم ان الدول المانحة باتت اليوم بحاجة لمساعدات ضخمة في ظل اعباء موجة وباء كورونا مع العلم ان تجارب الصندوق مع دول العالم وبينها دول صديقة للولايات المتحدة واضحة في هذا المجال من حيث قيمة المساعدات المتواضعة التي حصلت عليها حتى قبل الشحّ المالي على مستوى العالم بعد كورونا وما بات متوجبا على صندوق النقد من مسؤوليات مالية في معظم دول العالم التي واجهت وتواجه انكماشا ماليا واقتصاديا غير مسوق يتجاوز الازمة التي شهدها العالم في العام 1929 ما يسمى الكساد والانهيار الكبير الذي ضرب كل دول العالم بعد انهيار سوق الاسهم الاميركية.

الا انه مهما كانت المساعدات وتحديدا القروض التي سيحصل عليها لبنان متواضعة وهو المرجح في ضوء كل المعطيات فالطبقة السياسية ومعها كل منظومة الفساد ستحاول من خلال هذه المساعدات البسيطة ايهام الرأي العام ان المسار الانقاذي يتجه في الاطار المطلوب لكن بالحقيقة يراد منه اسقاط المحاسبة الحقيقية لكل منظومة الفساد وبما يتيح لها اعادة تجديد هيمنتها على مقدرات البلاد بالرهان على كسب المزيد من الوقت.