لا شيء على مستوى الحراك الرسمي والسياسي يطمئن الى ان البلاد تسير نحو محاصرة الانهيار النقدي والمالي والاقتصادي والمعيشي او باتجاه اطلاق الآليات المطلوبة للخروج من هذا الواقع المخيف ولا الخيارات التي من شأنها، ان تسقط ما تبقى من احتياطات مالية ونقدية لدى الدولة واكثرية اللبنانيين على حد سواء، رغم بعض الخطوات المتواضعة للحكومة ورغم انشاء ما يسمى المنصة الالكترونية الموحدة بين المصارف والصرافين والشرعيين بالدولار والحديث عن تثبيته عند سقف 3200 ليرة، ولو ان سعر الصرف عاد وارتفع الى حدود اربعة الاف ليرة في السوق السوداء خلال الساعات الماضية.

وما يقضي على هذه المخاوف وهذه الاستنتاجات بحسب مصدر سياسي مطلع على كثير مما يطبخ اليوم مساران متوازيان، الاول له علاقة بما يشبه تحرك الواقع السياسي والمالي والنقدي وما يحيط بكل ذلك الى محاور لا تلتقي على معظم ما هو حاجة وضروري من خطوات للحد من الانهيار لاحقاً، ببدء المعالجات لما بلغته البلاد من ازمات متداخلة اوصلت للانهيار والافلاس، والمسار الثاني طبيعة العلاجات التي لا مناص منها، اذا ما كان هناك رغبة وحرص على الانقاذ.

فعلى المسار الاول يلاحظ السياسي المعني حال «التشلع» المخيف الذي يضرب علاقات كل الجهات المعنية وعلى كل الصعد وبلغ في الحد الادنى انعدام الثقة بين ما يمكن تسمية المحاور التي عرضت وتعرض البلاد لانقسام عمودي وأفقي، وهذا الانقسام و«التشلع» لا يستثني علاقة اي من الاطراف مع الآخرين.

اولاً: فعلى مستوى الحكومة لا توافق فعلي وحقيقي بين مكوناتها لاقرار ما هو مفترض من اجراءات تحؤول دون مزيد من الانحدار في كل الشؤون الداخلية، والدليل على ذلك حملة من المعطيات التي واجهت ولا تزال تعرض الحكومة لانتكاسات متتالية، لعل الابرز بين هذه المعطيات:

- الانتكاسة الاولى «الكباش» بين مكونات الحكومة على التعيينات التي كان يفترض ان تحصل في عدد من المراكز المالية وتجمد المناقلات القضائية وكادت ان تؤدي الى سقوط الحكومة وهذا «الكباش» مستمر حول ما يجري العمل له لتحرير بعض التعيينات في مواقع مختلفة بينها التعيينات المالية المؤجلة.

- الانتكاسة الثانية: الخلافات التي حصلت ولا تزال حول جملة من الاجراءات النقدية والمالية، ومن اكثر تجلياتها ما يتعلق بالخلافات التي حصلت حول «الهيركات» و«الكابيتال كونترول» وما بين الامرين، الخلافات بشأن الحفاظ على ودائع المواطنين بسياسة مصرف لبنان ولاموقف من حاكمه رياض سلامه، واخرها الخلاف حول خطة الحكومة الاصلاحية.

- الانتكاسة الثالثة: ما حصل في مجلس الوزراء قبل بضعة ايام عندما ذهب النقاش حول خطة اصلاح الكهرباء وبناء المعامل الى التصويت نتيجة الخلافات الكبيرة بين الوزراء المحسوبين على التيار الوطني الحر من جهة وباقي مكونات الحكومة من جهة ثانية، وهذا الخلاف يهدد بتكرار ما حصل خلال حكومتي سعد الحريري من اجهاض لخطة اصلاح قطاع الكهرباء نتيجة الخلافات الكبيرة في هيئته بين مكونات الحكومة.

- الانتكاسة الرابعة: الخلافات المعلنة والمستترة حول آليات الاصلاح بكل عناوينه، ولعل الابرز هو الخلافات بين مكونات الحكومة على آليات شمولية محاسبة الفاسدين في اي موقع كان، فالبعض يريد اختصار المحاسبة دون ان تشمل المنتمين الى هذا الحزب وفي كل المواقع وكل المحظيين منها، وتوجه آخر يمثله رئيس الحكومة دفع باتجاه فتح باب المحاسبة لكل من تطاول على المال العام، فيما المشكلة الاساسية التي لا تريد العديد من القوى السياسية في الحكومة السير بها، وتتعلق باستقلالية القضاء السير في فتح كل ملفات الفساد.

- الانتكاسة الخامسة: وهي تفاقم الخلافات السياسية بين مكونات الحكومة، وبخاصة ما بين التيار الوطني الحرّ ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، ولو ان «الشعرة التي قصمت ظهر البعير» سببها التحقيقات في ملف الفيول المغشوش واتهام بعض المسؤولين المقربين من فرنجيه، لكن هذا التوتر الكبير في علاقة الطرفين انسحب على العلاقة بين كل من الطرفين وقوى سياسية اخرى مشاركة في الحكومة، وبالاخص ما بين تيار المردة وحزب الله.

الانتكاسة السادسة: ولعلها الاكثر سلبية على مسار عمل الحكومة، على اعتبار انها اتخذت ابعاداً طائفية بالهجوم غير المسبوق على الحكومة ورئيسها من جانب مرجعيات دينية في الطائفة الارثوذكسية ومسؤولين من اطراف سياسية اساسية مشاركة في الحكومة، من التيار الوطني الحر بعد الهجومات التي لا مبرر لها على رئيس الحكومة من نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي المحسوب مباشرة على العهد، وكذلك الوزير السابق الياس بوصعب، الى جانب مطران بيروت للارثوذكس الياس عوده، واطراف سياسية عبر ممثلين للطائفة شاركوا في الاجتماع الاخير الذي دعى اليه المطران عوده.

فتبرير هذا الهجوم على الرئيس دياب لان الاخير اراد تغيير محافظ بيروت وتعيين شخصية لا ترضي بعض من يعتبرون انفسهم يمثلون الطائفة، والوصول الى التهديد بالانسحاب من الحكومة، هو الاخطر على حكومة الرئيس دياب ليس لان هذا الهجوم عاد «لنبش» لهيئات سياسية كانت احد ابرز عوامل الانهيار، وهي ان كل طائفة ومرجعياتها تريد حصر التعيينات وغير ذلك من امور بما تقرره مرجعياتها الدينية والسياسية، والعودة لهذا المنطق سيسقط حكماً ليس فقط ضرورة ابقاء التعيينات عن المحاصصات المذهبية والطائفية، انما سينسحب لاحقاً على كل اجراء تقوم به الحكومة وغيرها من مؤسسات للاصلاح، بدءاًمن محاسبة الفاسدين والذين جمعوا ثروات على حساب المال العام، وبما يؤدي الى اعتماد 6 و6 مكرر في المحاسبة وكل الامور المماثلة.

- ثانيا: الخلافات العميقة بين اكثرية مكونات الحكومة والقوى السياسية، التي تسمي نفسها قوى الاعتراض على عمل واداء الحكومة، وهذه الخلافات تتوسع وتشمل كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالملفات والقضايا السياسية، الى معظم الاجراءات للاصلاح المالي والنقدي، ومحاسبة الفاسدين، فيما عبر ويعبر عنه رؤساء الحكومات السابقين من تحريض يومي على الحكومة ومعظم اطرافها يظهر «هزالة التعاطي السياسي» في لبنان وغياب المسؤولية في تحمل تبعات الانقاذ، وكذلك الامر ولو بطرق مشابهة احياناً ومختلفة احياناً اخرى من جانب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط و«القوات اللبنانية» سمير جعجع الى جانب ما يشبه حرب «داحس والغبراء» المفتوحة ما بين العهد وفريقه من جهة وكل من تيار المستقبل والقوات من جهة ثانية بعد اتخاذ جنبلاط قرارا بتخفيف التوتر مع العهد والاتصالات التي حصلت مع الرئيس عون، ولا تستثني الخلافات وان بصورة مختلفة الاطراف المعارضين للحكومة ما بين بعضهم البعض.

- ثالثاً: ازمة العلاقة ما بين رئيس الحكومة حسان دياب من جهة وحاكم مصرف لبنان رياض سلامه، التي تنذر في استمرارها واتخاذها لعبة تسجيل النقاط بأزمة اكبر واشمل على مستوى المضاربة بالدولار الى جانب ارتفاعات جديدة في الاسعار، بحيث عادت الازمة واخذت ابعاداً اخرى في الايام الماضية من خلال رفض حاكم مصرف لبنان التدخل للحد من ارتفاع اسعار الدولار في سوق المضاربات، ويتبع ذلك ما يتعلق بانشاء المنصة الالكترونية في مصرف لبنان حيث تتخوف المصادر السياسية من ان يكون هدف المنصة المؤقتة مزيدا من «شد الحبال» بين دياب وسلامه تمهيداً لاعادة فلتان سعر الدولار اكثر مما حصل مؤخراً، رغم ان المصدر السياسي يلاحظ ان ليس من حق حاكم مصرف لبنان التصرف بمنطق استعلائي وكأنه فوق القانون وفوق كل السلطات، ولو ان الغطاءات السياسية الداخلية والخارجية له جعلت منه رقماً صعباً، ممنوع المس بسياساته.

وهذه الخلافات لم تنحصر في الملف النقدي، بل تعدتها الى معارضة حادة من جانب حاكم مصرف لبنان ومعه جمعية المصارف على خطة الحكومة الاصلاحية، ما يهدد بعرقلة اقتناع صندوق النقد الدولي بها، وفي السير بها لاحقاً في مجلس النواب، خصوصاً ان هناك العديد من الكتل ابرزها كتلة المستقبل تتبنى سياسات حاكم مصرف لبنان والمصارف.

وكل هذه الخلافات الى جانب خلافات ما بين الحكومة والمصارف في ضوء سياسة اصحاب المصارف التي تعتبر نفسها فوق القانون وفوق المحاسبة، بعد ان تعمدت سرقة اموال المودعين وتهريب مليارات الدولارات منها الى الخارج، وما بين كل ذلك تتعاطى المصارف مع ودائع المواطنين وكأنها حق حصري لها جعلت الواقع السياسي ومعه كل السياسات المالية والنقدية ومعهم حيتان المال ومافيات المضاربات والتجار اشبه «بحكم الغاب» الذي لا تحكمه قوانين ولا ضوابط، ولا حتى ادنى المسؤولية، ويهدد بانفجارات اشمل واوسع. ولو حالت بعض الاجراءات المتواضعة من هنا وهناك الى تأجيل الانفجار.

والامر نفسه ينسحب على مسار العلاجات التي لا مناص منها، اذ ان هناك رغبة وحرص على الانقاذ، (رغم بعض الايجابيات في خطة الحكومة الاصلاحية)، فيما حقيقة ما هو معتمد ويعدّ له من معالجات تشوبها جملة من المطبات الضخمة لا تختلف نتائجها عن نتائج مسار العلاقات بين الجهات المعنية المختلفة في الدولة وخارجها، وسنعود لتفعيل العناوين الاساسية للانقاذ في مقالة لاحقة.