محمد علوش ـ الديار

قد يكون الإنقسام السياسي بين فريقي الصراع في لبنان، 8 و14 آذار، قد انتهى بالنسبة للخلافات الداخلية، ولكنه يعود الى الواجهة بقوة كلّما لاحت ملفات إقليمية في أفق السياسة اللبنانية. هذه المرة، عاد الإنقسام من الباب الأبرز: علاقة لبنان وسوريا.

مع انتهاء الانتخابات النيابية الاخيرة وفوز فريق 8 آذار والتيار الوطني الحر بالأغلبية، تحدث البعض عن نية هذا الفريق طرق أبواب سوريا من جديد، ولكنه لم يفعل ذلك باستثناء الزيارات التي قام بها وزراء من هذا الفريق وتحديدا من حزب الله وحركة امل الى سوريا، من دون تكليف رسمي من حكومة سعد الحريري. وبعد سقوط حكومة الحريري، ووصول الرئيس حسان دياب الى السراي، تحدث البعض عن نفس الموضوع، ولكن اجواء رئيس الحكومة تحدثت يومها عن زيارة خليجية له، ولكنها لم تحصل بعد، ليعود النقاش حول العلاقة مع سوريا من باب المعابر غير الشرعية.

دعوة امين عام حزب الله بالتوجه الى سوريا لوقف التهريب وضبط المعابر، أقلقت راحة فريق 14 آذار، الذي تجمّع من جديد وعبّر علنا وسرّا عن معارضته لهذا التوجه، في تكرار لما كان يحصل سابقا كلما فُتح هذا الملف للنقاش، وهذا ما تراه مصادر قيادية في فريق 8 آذار مستغربا بظل ما يعانيه لبنان من أزمات اقتصادية قد تكون سوريا بوابة حلّها، او على الأقل التخفيف من وطأتها.

وتضيف المصادر: «نفهم أن هناك مشكلة سياسية لدى البعض مع سوريا، ولكن إن لم يكن ملف النازحين السوريين في لبنان اولوية لهم، ولم يكن ملف التصدير ومرور شاحنات البضائع اللبنانية عبر سوريا أولويتهم، ولم يكن ملف ضبط الحدود البرية بين البلدين أولوية لديهم، فما هي اولوياتهم؟»، مشيرة الى أنهم يريدون استمرار ربط لبنان ومصيره بقرارات دول لا تأبه إلا بمصالحها الخاصة»، لافتة النظر الى أن الصورة أمام اللبنانيين باتت واضحة، ولم يعد مخفيا على احد هوية أصدقاء لبنان، وهوية أعدائه، وبحال استمر التعنت الحالي فإن مصير البلد سيكون على المحك.

الى جانب معارضة فريق 14 آذار، فإن دعوة السيد نصر الله أثارت تساؤلات عديدة حول قدرة رئيس الحكومة حسان دياب على اتخاذ قرار بهذا الحجم، وفي هذه الظروف بالتحديد، وفي هذا السياق لا بد من الحديث عن معوقات عدة تُعيق دياب عن اتخاذ قرار مماثل، وهذه المعوقات لن تكون سهلة امام الحكومة بحال قررت التوجه الى سوريا بشكل رسمي.

تمر الحكومة حاليا بمرحلة دقيقة للغاية، تُجري خلالها المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ومن المعروف أن السياسة تنخر عظم هذا الصندوق، وبالتالي لا يمكن للحكومة اتخاذ قرار بهذا الحجم، بمعزل عن التفاوض، ولا شكّ أن صندوق النقد الدولي سيضع ضمن إعتباراته مواقف الحكومة السياسية، ولا شكّ أيضا ان قرار بحجم التوجه الى سوريا سيكون له ارتداداته الكبيرة على لبنان، خصوصا إذا لم تترافق إعادة علاقات لبنان وسوريا الى سابق عهدها مع توافق إقليمي دولي على ذلك.

هذا بالنسبة للمعوقات الخارجية، أما الداخلية فهي لا تقل صعوبة عن الخارجية. عندما تشكّلت حكومة حسان دياب، توجّهت لها الاتهامات بأنها حكومة حزب الله، ومن ثم أنها حكومة سوريا في لبنان، وبالتالي فإن توجه دياب الى سوريا، من دون توافق عربي ودولي، سيجعل التهمة أكبر، ما سيعرض الحكومة لحرب شعواء، من المعارضين السياسيين، والاخطر، من شارعهم السياسي والطائفي، اذ أن قرار كهذا قد يُشعل الشارع السنّي في طرابلس وبيروت، وهذا ما لا يريده أحد في الحكومة اليوم.

عندما انتُخب ميشال عون رئيسا للجمهورية، لم يزر سوريا، ولا إيران، بل السعودية أولا، موجّها يومها رسائل سياسية عديدة أبرزها انه ليس رئيسا سوريّا أو إيرانيا، ولا مرشح حزب الله للرئاسة، واليوم يتكرر المشهد مع حسان دياب، لذلك لن تكون سوريا وجهته الاولى خارجياً.