يكاد يبلغ ملف الفيول المغشوش «شهره» الاول، حيث كان اللبنانيون يمنّون النفس بالاحتفال في هذه الذكرى على وقع إغلاق الملف بسجن المتورطين، واسترداد الاموال المنهوبة، وهو الشعار الذي يحمله اكثر من طرف سياسي حاليا، ولكن «تجري الرياح، بما لا تشتهي السَفن»، فالملف الذي بدأ حاميا برد، وكأن محاولات لفلفته أصبحت اكثر جرأة، وفعالية.

الأنكى من كل ذلك هو تبجح الشركة الجزائرية «سوناطراك» بعدم مخالفة بنود العقد الموقع بينها وبين الدولة اللبنانية، وذلك في كتاب أرسلته الى وزارة الطاقة والمياه تهدد فيه بتوقفها عن توريد الفيول الى لبنان، ما يعني توقف معامل الكهرباء وبواخر الطاقة عن العمل بشكل كلي، وتطالب بضرورة اعتماد الشروط التعاقدية، في ما خص الشحنات المستقبلية والمتوجب تسلّمها منها حتى نهاية أجل العقد، أي اعتبار نتائج التحاليل التي جرت في مرفأ التحميل.

في تفسير لهذا النص، وبحسب مصادر متابعة، فإن الشركة الجزائرية تحاول إبعاد نفسها عن كل الملف، وتحميل لبنان المسؤولية، مع العلم أن الفيول المغشوش الذي وصل الى لبنان كان يحمل شهادة جودة من المنشأ، ومن لبنان، وبالتالي لو أن الشركتين المشغلتين للبواخر ومعملي الجية والزوق، لم تفحصا الحمولة، كان لبنان سيستلم الفيول المغشوش، وهذا الامر يُعيدنا الى كل الحمولات السابقة منذ العام 2005 والتي كانت تحمل معها شهادة من المنشأ، وشهادة من لبنان، تُثبت جودتها، بينما الحقيقة هي أن احتمال الغش فيها كان كبيرا.

وتؤكد المصادر أن على لبنان مواجهة الشركة الجزائرية ضمن الاصول القانونية ولكن عبر الضرب بيد من قانون على كل الملف، خصوصا ان سوناطراك تعاني من قضايا فساد على مستوى عالمي، وفي الجزائر يتحدثون على الفضيحة رقم 5 لها عالميا في لبنان، ما يعني انها تملك في سجلها 4 فضائح عالمية أخرى.

بالصدفة اكتشف لبنان الفيول المغشوش، وبدأ التحقيق بقوة ولو عبر مراجع قضائية متعددة، ولكن كان الامل أن يصل أحد المراجع الى نتائج حاسمة، ولكن وبحسب المصادر، تحول الملف الى مزايدات بالسياسة، وتسريبات إعلامية تهدف لتتويج القضاة على رأس مملكة مكافحة الفساد، وبالنتيجة كانت أن الملف دخل في بازار أبعد ما يكون عن القضاء، ولعل المعطيات الأخيرة تُثبت ذلك، حيث انتقلت الادعاءات القضائية من مرحلة تحديد رؤوس الفساد بوزارة الطاقة، الى مرحلة تحديد مزوري أوراق الحضور الى العمل، ومزوري ساعات العمل الإضافية، حيث بات يكفي أن يحضر ولي أمر الموظف الى الإدارة للإعتذار.

وتشير المصادر الى أن كل الكلام عن اكتشاف ملف الفيول المغشوش منذ شهر هو كلام باطل، ويُراد به التعمية عن الحقيقة التي تقول بأن المعنيين كانوا على علم بوجود فيول مغشوش منذ زمن، مشددة على أنه بحال لم يكن كلام المهندس يحيى مولود عن تقارير أرسلها الى وزيرة الطاقة ندى البستاني تتحدث عن الفيول المغشوش، دقيقا، لربما نعود بالزمن الى عام 2013، وفي شهر نيسان تحديدا، يوم أصيبت «فاطمة غول سلطان»، بأعطال في 9 مولدات من أصل 11، وانخفض إنتاجها من الطاقة الى حوالي 15 بالمئة من قدرتها، وكان السبب يومها «فيول غير مطابق للمواصفات».

تؤكد المصادر أن وزارة الطاقة والمعنيين في مؤسسة كهرباء لبنان يعلمون بوجود الفيول المغشوش منذ ذلك التاريخ على أقل تقدير، خصوصا وأن الحمولات التي كانت تأتي الى لبنان كانت تستحصل على شهادة جودة من جهات لبنانية، كانت في الحمولة الاخيرة، منشآت النفط في الزهراني وطرابلس، وبالتالي لربما كان من الصعب اكتشاف المشكلة قبل أعطال الباخرة التركية، مشددة على أن كل كلام عن عدم معرفتهم بالامر، أو كل كلام عن كشفهم للحقيقة في العام 2020 هو كلام مضلّل.

وتشير المصادر الى أن مكافحة الفساد كان عليه فتح التحقيق في العام 2013، لا لملمة الموضوع ، كاشفة أن لبنان بسبب «نفايات الفيول» التي كان يحصل عليها كان يخسر سنويا حوالي 380 مليون دولار أميركي، ما يعني ان الخسائر على مدى العشر سنوات السابقة تصل الى حدود الـ 4 مليار دولار، والى 6 مليار دولار تقريبا منذ تاريخ توقيع العقد في العام 2005، أي أن السرقات في ملف الفيول المغشوش لوحده، تقترب من أعتاب ما يحتاجه لبنان للصمود في السنوات الثلاث المقبلة.

يبدو من خلال المعطيات القضائية الحالية أن الملف لن يصل الى أي مكان، ولكن الخطورة تكمن في ابتزاز الشعب اللبناني لنسيان الملف، وذلك من خلال العودة الى نفس العادة القديمة لدى القيمين على الطاقة، تقنين قاس يصل الى حدود 20 ساعة قطع خلال النهار، والتذرع بعدم تفريغ حمولات الفيول، وفي هذا السياق تخشى المصادر أن يكون كل ما يجري هو في سياق الحروب السياسية الكهربائية على طاولة الحكومة، محذرة من اللعب بالنار، لأن الشعب اللبناني لن يسكت عن ذلك.