معظم الاداء الحكومي اذا لم تشمل كل هذا الاداء لا يزال يدور في الحلقة المفرغة من حيث الوعود الحكومية، وكل الاطراف المشاركة فيها بإطلاق عملية اصلاح شاملة بدءا من ملف التعيينات في الادارات والمؤسسات العامة وفي مقدمة آليات تعيين موظوفو الفئة الاولى وهذه الفوضى والضرب بعرض الحائط ينسحب على ملف تلزيم بناء معامل الكهرباء وقضية انهاء العام الدراسي مع إلغاء الشهادات الرسمية الى جانب عدد كبير من الملفات المماثلة التي تنتظر مخارج وحلول لها في مجلس الوزراء ومنها مثلا عدم تعيين الناجحين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية بعد انتظار منذ اكثر من خمس سنوات وتعطيل متعمد من جانب رئىس التيار الوطني الحر الوزير السابق جبران باسيل.

وبدا في الايام الاخيرة ان ازمة تعيين محافظ جديد لمدينة بيروت اخذ طابعا مذهبيا مقيتا كان يعتقد اللبنانيون انهم تجاوزوا لعبة المتاريس المذهبية والطائفية لكن ما انتهت اليه اجتماعات بعض الاقطاب من الطائفة الاورثوذكسية في مطرانية بيروت وبرعاية المطران الياس عوده من شأنه ان يعيد انتاج نفس السياسات السابقة ليس فقط على مستوى التعيينات بل في كل مسائل الشأن العام والغريب ان بعض الاقطاب والقوى السياسية التي يفترض بها دفع الحكومة لاعتماد آلية تعيينات شفافة اما بالعودة الى الصيغة التي كان جرى اقرارها سابقا واما عبر امتحانات يجريها مجلس الخدمة المدنية ليصل الشخص المناسب الى الموقع الشاغر في هذه الادارة او تلك مع الابقاء حاليا على التوزيع الطائفي لتقاسم وظائف الفئة الاولى وبالاخص لجوء نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي وقوى سياسية للامعان في عملية التجييش الطائفي من خلال «الكباش» بين هؤلاء ورئىس الحكومة حسان دياب رغم ما جاء في البيان الوزاري للحكومة الحالية يتناقض كليا مع عودة المحاصصة للتعيينات وبالتالي كان على الحكومة قبل بدء ملء الشواغر في الادارات والمؤسسات العامة اقرار آلية شفافة لقضية التعيينات ما يعني ايضا ان الحكومة ورئىسها يتحملان مسؤولية اساسية بما حصل مؤخرا من تجييش مذهبي حول تعيين محافظ بيروت والمحاصصة نفسها عطلت التعيينات لنواب حاكم مصرف لبنان وعملية الرقابة على المصارف والحبل على الجرار.

وفي ملف تلزيم معامل الكهرباء فتعاطي البعض مع هذا الملف كما يقول قيادي حزبي قريب من بعض اطراف الحكومة عاد ليدخل في لعبة التعطيل على رغم من تصويت مجلس الوزراء الاسبوع الماضي على اطلاق عملية تلزيم معملي الزهراني ودير عمار في المرحلة الاولى وبعدها سيصار الى بحث الحاجة لمعمل ثالث في سلعاتا. في وقت لا زال الوزير باسيل مدعوما من الرئىس عون مصرّ على السير بتلزيم المعامل الثلاث مع العلم ان لبنان ليس بحاجة الى ثلاثة معامل وبالتالي وبغض النظر عن صوابية هذا الموقف اذ ذاك بين الاطراف السياسية في الحكومة الا انه يفترض السير بالتلزيمات حسب تصويت اكثرية مجلس الوزراء ولذلك يبدي القيادي الحزبي مخاوفا من ان يعطل الخلاف السياسي خطة اصلاح قطاع الكهرباء مرة جديدة ويبقى هذا القطاع مصدر الهدر الاول الاساسي للمالية العامة.

والواضح ايضا ان قرار وزير التربية بإلغاء العام الدراسي اثار «زوبعة» واسعة من الخلافات بين الجهات المعنية بالقطاع التربوي خاصة ما يتعلق بمصير المدارس الخاصة والهيئة التعليمية في هذا القطاع فأصحاب المدارس ونقابة معلمي القطاع الخاص رفضوا بالمطلق قرار انهاء العام الدراسي على اعتبار ان القرار سيفضي الى افلاس مئات المدارس والاهم تآكل رواتب معلمي القطاع الخاص وانضمامهم الى جيش العاطلين عن العمل. في وقت لم يعد بإمكان اهالي التلاميذ والطلاب دفع اقساط ابنائهم بعد الانهيار المالي والنقد وانخفاض سعر الليرة اللبنانية وتآكل رواتب اللبنانيين حيث بات من شبه المستحيل على النسبة الاكبر من اهالي الطلاب تسديد الاقساط المتوجبة عن العام الدراسي الحالي على الرغم من هذه الازمة ستنفجر كبرميل البارود مع العام الدراسي المقبل نظرا لاستحالة قدرة الاطراف المعنية في القطاع التربوي تحمل الخسائر الضخمة التي طالت الجميع من المعلمين الى اهالي التلاميذ والى المدارس الخاصة بينما الحكومة عاجزة عن تأمين جزء بسيط من الخسائر التي سيتكبدها اطراف هذا القطاع في ظل افلاس الخزينة وعدم قدرة مصرف لبنان على المساهمة بأي تحويلات مالية لوزارة المالية لمساعدة هذا القطاع حيث يتوقع ان دخول هذا القطاع في فوضى عارمة سيؤدي حكما الى اقفال عدد كبير من المدارس ورمي المعلمين في الشارع وحتى معظم الطلاب والتلامذة لعدم قدرة المدارس الرسمية على استيعاب الاعداد الضخمة من الطلاب لعدم قدرة ذويهم على اعادة تسجيلهم في نفس المدرسة او مدارس اخرى.

وهذه الفوضى وغياب الالتزام بالقوانين ينسحب على عشرات القطاعات الاخرى كما هي حال الناجحين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية حيث لا زالت الاعتبارات المذهبية الطائفية وعدم وجود توازن طائفي في عدد الذين نجحوا كحراس للاحراج مثلا، تضرب بعرض الحائط الالتزام بالانظمة المعمول بها في تقسيمات بعض فئات الموظفين وبالتالي يلاحظ القيادي الحزبي ان ملائكة الوزير باسيل لا تزال تعرقل في مجلس الوزراء اصدار المراسيم اللازمة لتعيين الناجحين.

انطلاقا من كل هذا التخبط واعادة انتاج عملية تقاسم الحصص في الحكومة الحالية وتحولها بما اشرت في مقالة الامس مع كل القوى السياسية المعنية الى نسخة لا تختلف كثيرا عن الحكومات السابقة التي اوصلت البلاد الى الانهيار.