ما قبل «كورونا» ليس كما بعده، هذا «الفيروس» سيغير العالم الى الابد، هكذا اختصر وزير الخارجية الاميركي «المخضرم» هنري كيسنجر ما ينتظرنا من تداعيات خطرة في المرحلة المقبلة، ولم يكتف بذلك، بل «دق ناقوس» خطر نشوب الحروب والكوارث الاقتصادية المدمرة، كالمجاعات والصراع على الغذاء... ولان التاريخ برايه يعيد نفسه، فصورة العالم هذه الأيام مع فيروس كورونا، تشبه ما حصل  خلال الحرب العالمية الثانية، وبالضّبط سنة 1944، حيث سادت حالة من اللايقين والشعور بالخطر حول العالم. لكن الفرق ان المواجهة الان ستكون مفتوحة بين الغرب والصين.

 هذه المقدمة «المقتبسة» من مقال «لثعلب» السياسة الخارجية الاميركية، تبدو ضرورية لفهم حجم الخطر المحدق بالدولة اللبنانية «المفلسة»، حيث يسود «الجهل» وانعدام «الرؤية» لدى الممسكين بقيادة البلاد الغارقة في صراعات سطحية بين مكونات سياسية تخوض معارك محاصصة، ومراكز نفوذ، ومحمايات، ومكتسبات طوائف، وصراع على «كرسي» الرئاسة»، وغيرها من «التفاهات» التي تبدو «صغيرة» جدا مقارنة بالمخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد بتغيير خرائط العالم والمنطقة.. ولعل «صراعات» «الازقة» الضيقة التي تخاض في بيروت والنتائج المخيبة بعد مئة يوم على «ولادة» حكومة مواجهة التحديات، ابرز الادلة على «المجهول» الذي ينتظرنا في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، تشير اوساط سياسية بارزة الى ان الحمل الثقيل الذي ورثته الحكومة الحالية، وموجة «فيروس» كورونا التي ضربتها بعد فترة قصيرة من «ولادتها»، لا تجعل من الانصاف الحكم عليها، او محاسبتها على ما قدمته او ما لم تقدمه في هذه الفترة «العصيبة»، لكن الاقرار واجب بان تعاملها مع «الوباء» كان ناجحا بالقياس على دول متقدمة فشلت في التعامل معه ولا تزال غارقة في ازماتها.

في المقابل، تكشف جردة موضوعية بعد مئة يوم من «عمر» الحكومة، وجود خلل بنيوي داخلها لجهة ضعف اداء اكثر من نصف وزرائها، ولا يخفي رئيس الحكومة حسان دياب في مجالسه الخاصة «ندمه» على تبنيه ترشيح بعض الوزراء المحسوبين عليه، ويقول صراحة انه «مصدوم» من اداء بعضهم، وضعف بعضهم الاخر، ولو عادت به الايام لما تبنى ترشيحهم، لكن التغيير في خضم «المعركة» خطر ولا قدرة لاحد على تحمل نتائجه... وهذا الامر ينطبق ايضا على وزراء آخرين في الحكومة، حيث يلامس عددهم «النصف».

واذا كان رئيس الحكومة قد اثبت منذ اليوم الاول ان لديه «ركاب» في مواجهة «عاصفة» طائفته، بعدما نجح في عبور «الحرم» المذهبي، الا ان ما ساعده في ذلك ضعف «الزعيم» السياسي للطائفة سعد الحريري، وغياب المعارضة الجدية والمتماسكة والتي اثبتت الاحداث انها تتعامل مع التطورات على «القطعة» ووفقا لمصالحها، بعدما ثبت انها لم تشف بعد من «لعبة» «الطعن بالخناجر» التي مارستها ضد بعضها البعض، ولا يزال النزيف مستمرا، وقول رئيس القوات اللبنانية صراحة انه لا يثق بالحريري وجنبلاط وسيتركانه مجددا عند اول استحقاق.. ابلغ دليل على ذلك.

لكن ما يواجهه لبنان من مخاطر لا تكفيه «شد ركاب» رئيس الحكومة لكي ينجو، الان تخوض الحكومة مفاوضات صعبة مع صندوق النقد الدولي، ومانحي «سيدر»، والمفارقة في هذا الملف المصيري، ان «دود الخل منه وفيه»، فالانقسامات اللبنانية «مفجعة» في هذا السياق، حيث يحاول فريق سياسي مواكبة الضغوط الخارجية، واستغلال الموقف لمحاولة اضعاف حزب الله عبر استحضار ملف الحدود الشرقية الى «الطاولة»، مع علمهم المسبق بان هذا الملف «قنبلة موقوتة».

اما «الفاجعة» الكبرى فتبقى في خوض الطرف اللبناني مفاوضاته منقسما بين «خطتين» الاولى حكومية يخالفها مصرف لبنان ويعمل على «عرقلتها»، متبنيا خطة ثانية بالتنسيق مع جمعية المصارف، وتتناقض ارقامها مع ارقام الحكومة خصوصا لجهة تحديد الخسائر وتوزيعها، حيث تبين ان الفروقات بين الجانبين في ما خص خسائر المصرف المركزي وحده تقارب الـ 170مليار ليرة...

هذه الفضيحة ليست مستهجنة، فرئيس الحكومة ومعه رئيس الجمهورية خسرا معركة «اقالة» حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي حظي بدعم متوقع من الكنيسة المارونية، ودعم «مفاجىء» من رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي فرمل اندفاعة بعبدا والسراي الحكومي، فيما كانت واشنطن تسأل عن البديل لتقبل «استبداله»...

طبعا رئيسا الجمهورية والحكومة ليسا على خط واحد في كل الملفات، وثمة ملفين اظهرا التباين بينهما، الاول ملف معمل الكهرباء في سلعاتا الذي يصر على «تهريبه» التيار الوطني الحر، على الرغم من عدم جدواه، لكن الحسابات الطائفية والمناطقية «فوق كل اعتبار»، ويبدو ان دياب سيخسر هذه المعركة على الرغم من نجاحه في ضم وزراء حزب الله للتصويت ضد حليفهم «الثابت»..

اما الملف الثاني، فخسره دياب بعدما افترض القدرة على مواجهة الكنيسة الارثوذكسية، فبدعم رئاسي، نجحت الكنيسة وعلى الطريقة اللبنانية المعهودة، في فرض مرشحها لمنصب محافظ بيروت، وخسر رئيس الحكومة معركة غير متكافئة، بعدما ثبت ان النظام الطائفي اقوى من اي شيء آخر، بعدما بلغ التصعيد الأرثوذكسي سقفا مرتفعا وصل الى حد التلويح باستقالة الوزراء زينة عكر وميشال نجار وريمون غجر من الحكومة..

طبعا، لا تتوقف «هزائم» دياب عند هذا الحد، فسبق للكنسية المارونية ان رسمت «خطا احمر» حول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وقبلها رسم مفتي الجمهورية، «خطوطا حمراء» حول شخصيات سنية، وفي مقدمتها الرئيس فؤاد السنيورة، «وبيت الوسط» مستنفر ولا يقبل بمجرد انتقاد مرحلة الشهيد رفيق الحريري ويتوعد صراحة رئيس الحكومة  في حال «فكر» في اجراء تعيينات جديدة خارج «البيت المستقبلي»، اما «الكباش» مع رئيس مجلس النواب نبيه بري فانتهى بخسارة «الكابيتال كونترول» «والهيركات»، وملف اعادة المغتربين، والخطة المالية الحكومية..اما ملف الفيول المغشوش فدخل في «بازار» الخلاف الرئاسي بين «بنشعي» و»ميرنا الشالوحي» ومعه ستضيع «الحقيقة»، فيما تتجه الامور في هذا الملف، وقضية التلاعب بسعر الليرة الى «اكباش فداء» من صغار الموظفين دون تحميل اي مسؤولية لكبار المتورطين؟

طبعا هذا غيض من فيض ملفات تفضح الواقع اللبناني الداخلي وتعريه، وتجعل رئيس الحكومة «مكبلا» مهما صفت نواياه، خارجيا لن يتمكن مثلا من اتخاذ قرار كبير بالانفتاح على دمشق، كي لا «يزعل» الاميركيين»، وثمة تسليم ببقاء هذا الملف لدى اللواء عباس ابراهيم، اما داخليا فالدولة العميقة قوية للغاية، ويصعب مواجهتها، هذه القوى تريد ان يكون دياب مجرد مرحلة انتقالية في غياب البديل بعد 17 تشرين، لا احد يرغب بنجاحه، الكل يتربص لاستغلال الوقت المناسب لاعادة «نفض الغبار» عن نفسه والعودة الى الواجهة من جديد، من يسال دياب يسمع كلاما واضحا انه غير نادم على قبوله المسؤولية، يبدو الرجل مصمما على اكمال تجربته، لانه ليس لديه ما يخسره، لكن يغيب عن بال الجميع ان البلاد في الهاوية ولا تحتمل التجارب، العالم تغير ونتجه نحو صدام وفق قواعد جديدة فيما تستمر معارك «الزواريب» في بيروت، ولن يتغير شيء حتى بعد الف يوم من «ولادة» الحكومة.