حين يتكلم بعض الساسة عن النظام السوري تخال أنهم هبطوا، للتو، من المريخ. لم يترعرعوا بين الدم والدم، بين الخندق والخندق، بين العباءة والعباءة، بين الفضيحة والفضيحة. لكأننا لا نرى ظلالاً لاهثة لتوتاليتاريات لا تليق حتى بالقرون الوسطى.

لا وجود لنظام مقدس في العالم، بل في التاريخ. العلاقات بين لبنان وسوريا مرت في ظروف معقدة، بل وفي ظروف مريرة. هل يعني هذا أن يبقى جدار الكراهية، وهو جدار القربى، الى الأبد؟

كما لو أن غالبــية أهل السياسة عندنا ليسوا نجوم الزبائنية، ونجوم الانتهازية، ونجوم المركنتيلية، بلوثة السلطة، وبلوثة الموقع، وبلوثة القهرمانة...

من لا يعلم ما كانت الغاية من تفجير سوريا؟ تفكيكها قطعة قطعة، وتوزيعها على من يسكنهم اما هاجس التاريخ أو هاجس الايديولوجيا أو هاجس الجيوبوليتيكا.

قد يحق للكثيرين في العالم، ولخلفيات شتى، أن يحملوا على النظام في سوريا. كيف لنا، وقد حولنا الدولة الى مغارة علي بابا، ووضعنا أهلنا عند بوابة العوز، وما بعد العوز، ألاّ نخجل حين نهاجم أداء دولة أخرى، وقد رأينا كيف الصراع (ومن يتدخل ومن يفرض ) على هذا الموقع أو ذاك؟ الأوليغارشيا السياسية، والأوليغارشيا الدينية، وقد حولتنا الى حثالة ونتسول على أرصفة الدنيا.

في أي مستنقع نحن، وكيف نكون الماعز في حضرة بارونات الخراب، وبارونات اللادولة!

حتماً، ليست مهمتنا الدفاع عن أي نظام، ونحن في قعر الأمم. ولكن، أي دولة بديلة كان يمكن أن تقوم في سوريا. دولة أبي بكر البغدادي، أم دولة أبي محمد الجولاني، أم دولة أبي عمر الشيشاني، أم دولة السلطان العثماني؟

استطراداً، أي تداعيات على الأرض اللبنانية، وحيث لاحظنا كيف وصل التأجيج الغرائزي الى ذروته؟ ماذا كان حل بقرانا وبمدننا؟ وماذا كان حل بنسائنا وأطفالنا؟

وحين يقولون أنه حكم الطائفة التي فوق الطوائف في سوريا. آلاف الضباط من دمشق، ومن حلب، ومن حمص وحماه ودير الزور وادلب ودرعا والرقة. غالبية الجيش السوري من السنّة الذين كانوا يدركون أي سيناريو وضع في المطابخ الدولية لتحويل بلادهم الى محظية أسرائيلية أو الى محظية عثمانية..

لو لم يكن الوضــع كذلك، هل كان للنظام أن يصمد ما بين عامي 2011 و 2015، وقد نثــرت المليارات على شذاذ الآفاق. استــخبارات البنــتاغون هي من قالت أن كميــة المتفــجرات التي تم ادخالها الى سوريا عبر تركيا، أو عبر الأردن، أو عبر اسرائيل، تضاهي، في مفعولها، 22 ضعفاً مفعول قنبلة هيروشيما.

الأميركيون، والاسرائيليون، وبعض العرب، يمنــعون لبــنان من التواصل مع دمشق. في الداخل، ثمة من يلتقي مع هؤلاء في منتصف الطريق وأكثر.

اسألوا الخبراء الاقتصاديين في الخارج يقولون لكم «لا اقتصاد في لبنان اذا بقيت الأبواب مقفلة بينكم وبين سوريا»، الا اذا كنا نريد تصدير البندورة والبطيخ الى فرنسا أو الى... أميركا.

هنا الطريق الى العراق (وهو السوق الاسطورية للمنتجات اللبنانية)، والى الداخل العربي. أولئك الخــبراء يقولون ان ازدهار لبنان رهن باعمار سوريا.

بكل معنى الكلمة، نحن دولة لا تتمتع بالحد الأدنى من السيادة. ثمة سفارات وتتدخل حتى في تفاصيل التفاصيل. سعيد تقي الدين قال «الواو الكافرة هي الواو بين لبنان وسوريا». آخرون من بني قومنا يقولون «نعم لاسرائيل لا لسوريا». اياهم الذين سلموا مفاتيح لبنان الى ياسر عرفات (اتفاق القاهرة عام 1969 )، قبل أن يسلموها الى أرييل شارون (اجتياح 1982 ).

لبنان يختنق. الاقتصاد يختنق. لا حل الا بالتنسيق مع سوريا. ادولف هتلر احتل باريس. فرنسوا ميتران تمنى على هيلموت كول مشاركة طائرات ألمانية في العرض العسكري يوم العيد الوطني الفرنسي.

نائب قال لنا : هل تعلم ما يمكن أن يفعل بنا دونالد ترامب اذا فتحنا الباب الى دمشق؟). ماذا يمكن أن يفعل بنا أكثر مما فعل، وأكثرمما يفعل؟؟