في ظلّ ما نعيشه من أزمات اقتصادية ومعيشية أرخت بثقلها على الواقع الغذائي الذي يزداد صعوبة على اللبنانيين، ولد مشروع "غلّتنا" بمبادرة من الدكتور سليم الصايغ ليفتح كوةً في الجدار الذي بدأ يرتفع ليحاصر اللبنانيين ويعيدهم لمعاناة غذائية لم يعيشوها منذ بدايات القرن الماضي حيث تذوقوا مرارتها خلال الحرب العالمية الأولى.


وفي حديث خاص لـ"الديار"، اعتبر الدكتور سليم الصايغ، وهو الخبير الدولي في التنمية الإجتماعية ورئيس جمعية "متطوعون لخدمة المجتمع" القيّمة على مشروع "غلّتنا"، أن "هذا المشروع ولد من رحم معاناة اللبنانيين القلقين على أمنهم الغذائي بين حجر مصرفي وحجر صحي. فتوجهوا الى الثروة الاصلية الثابتة وهي الارض التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من البيت، فكانت فكرة الزراعة المنزلية. فتنادت مجموعة من الشابات والشباب من ضمن جمعية "متطوعون لخدمة المجتمع" ومنهم المهندس الزراعي والطالب الجامعي والفلاح المتمرس والعامل والصناعي والتاجر والموظف والاستاذ وغيرهم لإطلاق مشروع "غلّتنا"."


"هكذا نواجه الفقر الغذائي الذي ضرب أكثر من ثلث اللبنانيين"!

وفي سؤالٍ عن الأهداف الكامنة وراء هذه المبادرة، أكد الدكتور الصايغ أن "الهدف الاساسي من "غلّتنا" هو تمكين كل منزل لبناني من مواجهة خطر الفقر الغذائي. ولفت أنه "بحسب أرقام البنك الدولي قبل الكورونا وصل الفقر الغذائي في لبنان الى نسبة ٢٢٪، وفي تقديري أن هذه النسبة تفوق اليوم في ظل الكورونا الـ ٣٥٪؜ من السكان. لذلك على الردّ أن يكون بالإتكال على الذات عبر تنظيم المبادرة الفردية. ونشدد على الزراعة المنزلية والاكتفاء الذاتي كهدف أول في متناول العدد الكبير من الناس."

وتابع الدكتور سليم الصايغ ليشرح أن "غلّتنا" "بدأ كمشروع نموذجيٍ للإختبار والتصحيح قبل أن يتم تعميمه. فكان استهداف ٤٥٠ منزل في منطقة كسروان-الفتوح في أكثر من ٤٠ قرية. تمّت دراسة كل حالة على أساس إستمارات تحدد معايير اختيار الاراضي للتدخل."

"التواصل مستمرّ مع الأهالي لتأمين المساعدة والإرشادات"

وبحديثه عن آلية العمل وسُبُل المتابعة مع المزارعين والأهالي بشكل عام أكّد أنه يتمّ "إرشاد أصحاب الأراضي حول نوعية الزراعة وحجمها وإعطائهم الإرشادات والبذور اللازمة والمتابعة معهم عبر خط ساخن أنشئ خصيصاً لهذه الغاية مع كوكبة من أهل الإختصاص. إن التحفيز على الزراعة المنزلية مهمّ لا سيّما أن مقوّمات الاستدامة اصبحت مؤمنة من المشروع نفسه."

كما يتابع المشروع لتأمين التواصل المستمرّ مع المعنيين والمهتمّين إذ أكّد الصايغ اعتماد "منسّقين لكل قطاع جغرافي وأمّنا الإتصال المباشر مع المستفيدين عبر الخط الساخن كما انشأنا صفحة فايسبوك للتواصل مع غير المستفيدين".


"لإختراع اقتصاد اجتماعي جديد وإحياء القرية اللبنانية"!

وفي ظل الضائقة ذات الآثار الطويلة الأمد التي يمرّ بها اللبنانيون، شدّد الدكتور الصايغ أنه "لا خيار لمواجهتها إلّا بإعادة اختراع إقتصاد إجتماعي جديد قوامه التنمية المستدامة فيكون الإنسان هو الغاية والمحور للنمو والتقدم. يعني ذلك أن لا بديل من احياء القرية اللبنانية وتنمية الريف واستعمال ذكي للموارد والمساحات في المدينة عبر زراعات حديثة. تتم استدامة المشروع عبر الشراكة مع القطاع الخاص والقطاع العام والجهات المانحة. كما أن احدى ميزات هذا المشروع هو العمل التطوعي على كل المستويات من التخطيط الى التوزيع والتدريب والمتابعة. كما ان للمونة وحفظ الغذاء طيلة السنة حيّزاً خاصاً في هذا المشروع".


بو عزّ: هذه النقاط تشكّل أساس "غلّتنا"


من جهتها أشارت مديرة مشروع "غلّتنا" المهندسة الزراعية ربى بو عز في اتصال مع "الديار" أن المشروع يرتكز على خمس نقاط:

١- التطوّع: نهدف من خلاله الى تشجيع الشباب على العمل الإجتماعي وخلق روح الجماعة وحسّ المساعدة لديهم.

٢- التوزيع: تمّ توزيع البذور على عدد من العائلات كالبقدونس واللوبية والخيار، بالإضافة لتوزيع عدد من المنشورات تتضمن الإرشادات اللازمة لطريقة الزرع الفُضلى.

٣- التدريب: يتابع فريق من المهندسين الزراعيين والمزارعين أصحاب الخبرة، تدريب المتطوعين على تطبيق الأسس الزراعية السليمة، ليواكبوا بدورهم المزارعين على الأرض من الناحية التطبيقية، وليتمكنوا من الإضاءة على أهمية الزراعات المنزلية المستدامة.

٤- المتابعة: تجرى المتابعة من خلال الخط الساخن وصفحة "غلتنا" عبر موقع الفايسبوك، يتمّ التواصل مع جميع المزارعين وتتم الإجابة على كافة الأسئلة المطروحة.

٥- المونة: يقوم المشروع بتقديم الإرشادات للإستفادة من الخضار عبر المونة، وحول كيفية حفظ الحبوب والمأكولات للإستفادة منها على مدار السنة.

لا بدّ أن مشروع "غلّتنا" وهو الآخذ في التطوّر والتمدّد، يشكّل فسحة أمل في هذا الزمن الصعب، ويبرهن عن رؤية واضحة وبُعد نظر لدى أصحاب هذه الفكرة.



لعلّ هذه المبادرة - الرسالة تلقى الدعم اللازم لكي تتمكن من تحقيق هدفها الأساسي ألا وهو تمكين كلّ شخص من تأمين إكتفاء غذائي ذاتي بأقل كلفة ممكنة، لنعود بذلك ونربّي الأجيال الناشئة على التعلّق بالأرض، حيث لا تزال جذور أجدادنا ضاربة في عمق الجغرافيا وصلب التاريخ، فلا تقتلعنا منها الأزمات أكانت إقتصادية أو معيشية أو غذائية أو من أي نوع آخر.