لا شك ان رئىس الحكومة ومعه قلة قليلة من الجهات المعنية بتبيان حقيقة ما حصل طوال 30 سنة من هدر ونهب للمال العام بحيث تحاول هذه القلة ولو بالحد الادنى الدخول في بعض دهاليز الفساد ورموزها واسرارها، وما تختزنه من كل انواع المافيات المنظورة وغير المنظورة على امل تفكيك بعض حلقات «كارتبيات» هذه المافيات كبارا وصغارا وفي الدرجة الاولى مجموعة الفساد السياسية والمالية والنقدية وبعضا من انواع التحايل على القانون وما بين كل ذلك من تهريب لكميات ضخمة من مليارات الدولارات رغم ان المحاسبة الفعلية والجدية تفترض آليات مختلفة كليا عما هو قائم اليوم وما يجري التحضير له من مشاريع قوانين او قرارات اتخذت في مجلس الوزراء.

وفيما الاجراءات المتخذة حتى الان هي اجراءات متواضعة ولا تقترب من حيتان المال ومن كل المواقع الاساسية الفاسدة وفق مصدر معني يعمل القضاء - يجن جنون اطراف منظومة الفساد بالسر والعلن لمحاصرة من يجرؤ من القضاة على ادانة او اتهام هذا الفاسد وذاك المرتشي ويتوحد كل اطراف هذه المنظومة او بعض اطرافها الاساسيين بما يتلاءم مع مصالح هذا الفريق او ذاك المتنفذ في الدولة وخارجها، بحيث تسقط كل انواع الصراعات الفئوية وصراع المحاصصة وتقاسم «جبنة» الدولة لإفشال محاسبة هذا الفاسد او ذاك المتهم.

فكل هذه المنظومة وكل بحسب مصالحه وعدم المسّ بأي من الازلام واصحاب الرؤوس الكبيرة من المرتشين وناهبي اموال اللبنانيين على الرغم من ان هذه المنظومة كما يقول المصدر تحولت الى ما يشبه مرض السرطان الذي ينهش بما تبقى من مقومات بسيطة في الدولة وفي جيوب اكثرية اللبنانيين وهذا التعطيل والتدخل والضغوط على القضاء برز بأبشع صورة في الاسابيع الاخيرة من قضية مصرف لبنان والتحقيقات التي حصلت حول دور اسماء كبيرة بالمصرف بالمضاربات بالدولار وما حصل ويحصل في ملفات اخرى عديدة ومنها التحقيق في خفايا الفيول المغشوش قبل ذلك المئات من هذه الفضائح خلال حكومات الحريري وما قبلها.

واذا كانت التحقيقات المفتوحة وتلك التي فتحت في الماضي وجرى اقفالها «بسحر ساحر» هي جزء بسيط لا يذكر من دهاليز منظومة الفساد فالحديث عن فتح كامل ملفات الهدر والفساد واستعادة المال المنهوب ليس اكثر من«دعاية» اعلامية تلجأ اليها الطبقة السياسية لإيهام الرأي العام بجدية هذه الطبقة بالمحاسبة وكشف كل الذين تورطوا بملفات الفساد والهدر بينما الوقائع على كل المستويات مغايرة تماما لهذه الدعاية من خلال استخدام كل اشكال الابتزاز لإفشال السير ببعض الملفات المفتوحة حتى نهايتها وان من خلال معظم القوانين التي تتحدث عن مكافحة الفساد وهي تلك التي يتم اعدادها في مجلس الوزراء او القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء والتي تعتمد ما يسمى بالطريقة اللبنانية المتوارثة في مواجهة حيتان المال وبالتالي يؤكد المصدر ان كل ما يحيط بعمل القضاء بما يخص ملفات الهدر والفساد اقل بكثير مما هو مطلوب لكي يتمكن القضاء من القيام بدوره كاملا من حيث عدم استثناء اي ملف ومن حيث عدم استثناء حيتان المال والمحميين سياسيا وطائفيا ولذلك يقول ان هناك استحالة بفتح كل الملفات ومحاسبة كل المتورطين بنهب المال العام دون تحقيق الامور التالية:

1- اقرار كل ما يؤدي لاستقلالية القضاء ان من حيث التدخلات والضغوط التي تمارس على القضاء في وقت لا زال هناك تغييب كامل من قبل الطبقة السياسية للاليات المفترضة التي تؤمن هذه الاستقلالية ولا حتى يوجد رغبة بهذا الخصوص فحتى تلك المشاريع المعدة لتأمين هذه الاستقلالية لم يتم اقرارها في مجلس النواب على الرغم من الحاجة الى تعديل هذه الاقتراحات المقدمة من بعض النواب.

2- لا امكانية للمحاسبة الفاعلة والحقيقية دون اسقاط كل الحصانات عن الذين توالوا على السلطة من اعلى الهرم الى ادناه وبالتالي عبثا الحديث عن مكافحة الفساد دون اسقاط هذه الحصانات فالمحاسبة حتى لا تتحول الى اسقاطات مذهبية وطائفية وحمايات سياسية يجب ان تبدأ من اعلى الهرم نحو ادنى المستويات ودون استثناء اي شخص مهما كان موقعه الحالي والسابق عليه شبهات بالفساد فحتى الان لا يستطيع القضاء الاقتراب من حيتان المال نظرا للمعوقات القانونية ونظرا للحمايات السياسية والطائفية وهو الامر الذي شهدنا العديد من الامثلة عنه في الاسابيع الثلاثة الماضية.

ويشير المصدر المذكور ان كل ما يجري منذ فترة وحتى اليوم من نقاشات على مستوى عدد من اللجان النيابية لانجاز بعض المشاريع حول مكافحة الفساد ومنها تحديث بعض القوانين المعمول بها مليئة بالثغرات والمعوقات التي تمنع القضاء من استدعاء وربما توجيه الاتهامات او التوقيف.

ما زال هناك حصانات او آليات معقدة لمحاكمة كبار الرؤوس الفاسدة ولذلك يلاحظ ان اي تحقيقات بعد اقرار هذه المشاريع قد تبقى حبرا على ورق عندما يتعلق الامر بالتحقيق من الاعلى الى الادنى ويعيد الامور الى نفس المربع الذي يعيق التحقيقات بما يمكنها من سبر اغوار دهاليز الفساد حتى نهايتها دون استثناء اي كان وهو الامر الحاصل اليوم حيث يضطر القضاء الى حصر التحقيقات بمن لا يتمتعون بالحصانة او الذين يوافق الوزراء على مثولهم امام التحقيق بناء لطلب القضاء فخلال فترة حكومة الحريري تمنع العديد من الوزراء وحتى المدراء العامون للمثول امام القضاء الذي يبقى عاجزا عن مثولهم امامه لان القوانين تمنع ذلك.

ومن كل ذلك يؤكد المصدر ان اي حديث عن محاسبة جميع الذين تورطوا بنهب المال العام واسترداد هذا المال هو نوع من «الفولكلور» اكثر من رغبة جدية بالاصلاح دون تحقيق مجموعة من الشروط المذكورة سلفا وحتى ضرورة اشراك القضاء بإعداد القوانين المطلوبة على مستوى استقلالية القضاء وعلى مستوى آليات المحاسبة كما يقول المثل «اهل مكة ادرى بشعابها».