تحظى الحركة السياسية لرئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط باهتمام بالغ من قوى سياسية متعدّدة، إذ ترى فيها مؤشّراً على طبيعة المشهد السياسي في المرحلة المقبلة، ذلك أن زعيم المختارة، وعلى الرغم من هواجسه من وباء «كورونا» وقلقه الدائم على الأوضاع المعيشية والإجتماعية، قد كان في طليعة من استوعبوا وقرأوا تلك الخطورة التي يشكّلها هذا الوباء، والمسار الإجتماعي المتدهور في آن، ما دفعه إلى تحصين منطقته من خلال الخطوات الحثيثة التي قام بها الحزب التقدمي الإشتراكي بتوجيهات من رئيسه، وكان أن كثّف جنبلاط من لقاءاته مع قيادة مجلس الحزب ووكلاء الداخلية في اجتماعات عُقدت عن بعد، تمحورت حول استنفار خلايا الأزمة التي كان قد أنشأها الحزب التقدمي في كل المناطق في الجبل، وسط دعم وحالات تموين وتخزين للحبوب تحسّباً لأي طارئ غذائي.

وفي حين يبدي الزعيم الجنبلاطي مخاوفه من «ثورة إجتماعية» في حال لم تؤخذ هذه المسألة بما تستحقه من عناية واهتمام من قبل الدولة والحكومة، فهو لم ينتظر أي مبادرات رسمية، بل بدأ منذ تشرين الثاني التحضير لهذه المرحلة العصيبة، فكانت المبادرات الذاتية على مستوى هذه المرحلة رغم صعوبتها ودقتها.

وفي المقابل، وبعدما أعاد البعض «نبش» دفاتر الماضي وإثارة الضغائن في الجبل، إلى سلسلة توتّرات حصلت بقيت بعيدة عن الأضواء، فإن جنبلاط استدرك توسّع رقعة هذه التوترات أو وصولها إلى حافة الإنفجار، فجاءت زيارته إلى قصر بعبدا على هذه الخلفية، أي العمل على استقرار الجبل، الأمر الذي أدى إلى تخفيف هذا التشنّج، وتشير المعلومات الوثيقة إلى أن رئيس الجمهورية ميشال عون طلب من رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، الإيعاز إلى كل مسؤولي «التيار» والمحازبين في الجبل للعمل على التهدئة واتخاذ التدابير اللازمة حيال من لا يلتزم بهذه القرارات.

ومن هذا المنطلق، أوعز سيد المختارة إلى النائب والوزير السابق غازي العريضي لمتابعة الإتصالات مع «التيار البرتقالي»، ومن ثم التواصل مع «حزب الله» باعتبار أن العريضي سبق وأن لعب هذا الدور مع النظام السوري في تلك المرحلة، حيث تربطه علاقة شخصية مع الرئيس بشار الأسد والأمر عينه مع قيادة «حزب الله» و»التيار الوطني الحر»، ولا سيما أن الرئيس عون تمنى على جنبلاط بأن يكون العريضي هو من يواكب ويتابع هذه الإتصالات، وبناء على هذا الدور ثمة ترقّب لأي لقاء قد يحصل في أي توقيت بين موفد جنبلاط مع قيادة «حزب الله» من أجل متابعة ما جرى في لقاءات سابقة بين الطرفين.

ويبقى السؤال المطروح عن نتائج هذا الإنفتاح الجنبلاطي على بعبدا و«حزب الله»؟ وفي السياق، تؤكد أكثر من جهة متابعة، أن ما يجري اليوم إنما يصب في خانة تنظيم الخلاف وليس التحالف مع أي جهة، إذ انه لا يرغب بالعودة إلى لغة التحالفات السابقة كـ 14 و 8 آذار، وإنما هو يسعى إلى تدارك أي خضّات أمنية أو هزّ الإستقرار في الجبل، ما دفعه الى التنسيق مع حارة حريك وميرنا الشالوحي، في وقت أن التواصل والتنسيق مستمر مع بيت الوسط ومعراب وأفرقاء آخرين وشخصيات مستقلة كانوا منضوين في فريق 14 آذار على الرغم من بعض التباينات السياسية.