لا احد في الحكومة وخارجها يقول ان خطة الاصلاح التي كان اقرها مجلس الوزراء «منزلة» وغير قابلة  للتعديل واعادة النظر في كثير من بنودها لتضمنها العديد من البنود الضبابية واخرى تعيد مرة جديدة تحميل اصحاب الدخل المحدود اعباء لا يمكن تحملها، وهو ما يطالب به صندوق النقد الدولي والعديد من الجهات السياسية والمعنية في لبنان، اضافة الى كثير من  التعديلات الاساسية الاخرى التي تعيد تبني حملة واسعة من المشاريع والتوجهات المرفوضة التي كانت اعدتها حكومة الرئيس سعد الحريري، وغيره من خطط تقدمت بها قوى سياسية كانت شريكاً في الانهيار.

واذ يتحدث سياسي سابق كانت له الكثير من التجارب مع تصورات وخطط اعدت في الحكومات السابقة، ان اي خطة للانقاذ والاصلاح الشامل، لا يكون عنوانها الاول قائماً على اسس ثلاثة لن تستطيع فتح الآفاق ليصل ما تحتاجه هذه الخطة، في حال تغييبها لاحد هذه الاسس وهي:

- اولاً: شمولية المحاسبة وفتح كل منافذ الهدر والفساد، لان اخطر ما يحصل اليوم هو الانتقائية في فتح هذه الملفات، وفي اقتصارها على محاسبة متورطين صغار غير محميين سياسياً وطائفياً، فمن دون خطة متكاملة للمحاسبة ووضع كل الرؤوس الكبيرة المتورطة في السجن، سيكون مصير المحاولات الانتقائية، كما مصير المحاولات السابقة التي كان من نتائجها مزيداً من نهب المال العام، ومن مكافأة رؤوس كبيرة متهمة بالصفقات وانفاق مئات ملايين الدولارات.

- ثانياً: اطلاق خطة الاصلاح الاداري لتشمل كل مؤسسات ومرافق واجهزة الدولة دون استثناء، بما يعيد الشفافية والكفاءة والنظافة الى الادارة ويخرجها من الترهل والتضخم الكبير في المؤسسات والعاملين في الدولة، وبما يؤدي الى هدر مئات مليارات الليرات اللبنانية دون مردود، بل معظمها لتنفيعات ومحسوبيات.

- ثالثاً: ان تبنى كل السياسات المالية والنقدية والاقتصادية، على قواعد متينة لقيام اقتصاد منتج، وليس نظاماً ريعياً كما هو اليوم، بحيث اتاحت بنية النظام هدر المال العام بمئات مليارات الدولارات منذ 30 عاما وحتى اليوم.

واذا كانت خطة الحكومة تجنبت او تجاهلت قواعد اساسية تتعلق بأولوية السير بالأسس الثلاثة المذكورة، ولو انها تحدثت عن بعض جوانب هذه المسائل، فمعظم ما قدمته واعلنته اطراف سياسية مختلفة والهيئات الاخرى المعنية لم يخرج في معظم بنوده الاساسية عن اعادة انتاج النظام الريعي، مع تعديلات معظمها شكلية، باستثناء بعض ما قدمته اطراف قليلة من خارج المنظومة المتحكمة بمستقبل لبنان واللبنانيين، فالاخطر هو ما قدمته مؤخراً جمعية المصارف من ورقة تنسف فيها البنود الايجابية لخطة الانقاذ التي اعدتها الحكومة، حيث تعرض ما يشبه الدعوة لاطلاق يدها في الاصلاح المالي المنشود لتستكمل عملية السطو الممنهجة على ما تبقى من مؤسسات في الدولة، بعد جمعها ثروات بعشرات مليارات الدولارات منذ 30 سنة وحتى اليوم تحت مظلة الاستدانة للدولة من جهة والفوائد المضخمة من جهة ثانية، وبما مكنها من نهب اموال المودعين تحت شعارات خبيثة ومضللة وهي فقدان «الفريش ماني» بالعملة الصعبة، فيما حقيقة الامور انها كانت السبب الاول والمباشر في قدرة السيولة بالدولار بعد تهريب اكثر من 20 مليار دولار الى الخارج، وتتمنع الكشف عن اسماء عدد من كبار اصحاب المصارف والنافذين الذين عمدت الى تسهيل تهريب اموالهم بتواطؤ من مصرف لبنان والتكتم عليهم، عدا الاموال الضخمة التي جمعتها المصارف من الفوائد المضخمة الى الهندسات المالية.

فأصحاب المصارف وجمعيتهم يتحدثون اليوم، وكما يقول المثل «بكل عيون وقحة» عما تزعمه استعادة اموال المودعين، وما الى ذلك من عناوين براقة هي كلام حق «يراد به باطل» وبالاخص عندما تطالب بتضمين خطة الحكومة الاصلاحية بنداً مشبوهاً، اقل ما فيه ان اصحاب المصارف يريدون اللعب على السياسات التي اعتمدتها مع مصرف لبنان وبتواطؤ من كبار حيتان المال للتصرف بأموال المودعين وانفاقها على مذبح المحاصصات المالية التي حصلت طوال 30 عاماً واليوم تريد من الدولة ان تبيع ما يطلق عليه «اصول تملكها الدولة»، اي ما تبقى من مرافق مربحة للخزينة، رغم الحاجة الى اجراء «نفقة كاملة» في هذه المرافق وتبيان الحقائق حول هدر مليارات  الدولارات في هذه الاصول - وتحديد شبكة الخليوي واوجيرو والمرافق العامة بدءا من مرفق بيروت واملاك واراضي للدولة بحجة ايفاء الحكومة بالتزاماتها من الديون المترتبة عليها للمصارف، وعندئذ يفقد لبنان بعض ما تبقى من مرافق يعوّل عليها لتغذية الخزينة بالجزء الاكبر من مواردها السنوية - طبعاً بعد «نفضة» كاملة في هذه المرافق والاصول - او في احسن الاحوال اللجوء الى اعتماد نظام «بي.او.تي» لادارة هذه المرافق لفترات محددة قد تصل الى 25 سنة، في مقابل مبالغ كبيرة مع مردود سنوي على الخزينة.

ورغم المخاطر الضخمة التي ينطوي عليها هذا الطرح من جمعية المصارف على ما ينتظره اللبنانيون من حلول انقاذية للوضعين المالي والنقدي، الى جانب اقتراحات اخرى لا تقل خطورة عن الطرح الاول، ومنها ان يؤخذ باقتراحات صندوق النقد الدولي بما خصّ  تسعيرة الليرة من الدولار، اي ضمنياً تحرير سعر الصرف ما سيرفع سعر الدولار مقابل الليرة الى ارقام خيالية، وما يحمله هذا التوجه من انقضاض بالكامل على القدرة الشرائية للبنانيين، يبدو ان الهدف الخفي لجمعية المصارف من وراء هكذا طروحات مفخخة ليس فقط اعادة انتاج النظام الريعي الذي كان السبب الاول في الانهيار، بل الاخطر ان هذه السياسات ستقود حكما الى ربط لبنان بكل ما يقرره صندوق النقد الدولي من سياسات نقدية ومالية واجتماعية، بل ربط لبنان بسياسته التي تقرر سياسات الصندوق وبالاخص الولايات المتحدة في وقت يدرك الجميع ان المصارف التي تتحمل الجانب الاكبر من مسؤولية الانهيار كانت تتحرك ولا تزال مع جهات نقدية اساسية في لبنان بما يطلبه ويقرره الاميركي.