في القاهرة يقولون «مصر ضحية العرب». يقولون أيضاً «لطالما أبلغنا البلدان العربية الثرية بأننا بحاجة الى مشروع مارشال. هذا اذ يمكّن مصر من النهوض الاقتصادي والاجتماعي، بالتالي التحول الى دولة مؤثرة  في المسارات الجيوسياسية، والجيوستراتيجية، للمنطقة، يؤمن التوازن مع كل من ايران وتركيا واسرائيل».

مصر ضحية العرب أم العرب ضحية مصر ؟ متى كانت ثروات العرب، وسياسات العرب، بأيديهم ليتمكنوا من اطلاق ذلك المشروع؟ تلتقي في القاهرة بمن يقول «ان العرب ،مثل الأميركيين والاسرائيليين، لا يريدوننا الدولة الفاعلة. ما العمل اذا كنا بحاجة الى أموالهم ، ولو أتتنا على ظهر السلحفاة»؟

كنا قد استعدنا ما قالته «الايكونوميست» البريطانية في آب 1947 «حين تزهو مصر يزهو العرب ،وحين تذوي مصر يذوي العرب».

هناك تتناهى اليك التعليقات الصادمة «لن تجد مكاناً للعرب في التاريخ، أو حتى في الزمن، الى يوم القيامة. تصور لو أن النفط ظهر، بتلك الكميات الاسطورية، في بلد مثل اليابان، أو مثل الصين، أو مثل كوريا، وحتى مثل... منغوليا».

نستذكر تلك اليلة، في منزل رسام الكاريكاتور بهجت عثمان. كنا نفــترش الأرض، وأمل دنقل يقرأ لنا، وهو يبكي، قصــيدة «لا تصالح». قال «يا صاحبي، العرب رعايا القضاء والقدر». استدرك، ومن البكاء الى الضحك «لعلهم ضحايا ألف ليلة وليلة. أنظر في وجوه الكثير من قادتنا. ألا ترى قدمي شهرزاد ؟».

أرض الكنانة أمام اختبار وجودي. حتى اللحظة ما زلت تجد من يدافع، بانبهار، عن اتفاقية كمب ديفيد. «كان جنودنا يموتون في الصحراء من أجل فلسطين. العرب، اشقاؤنا العرب، كانوا يختالون بين أرصفة البيفرلي هيلز وأرصفة الكوت دازور».

القلة القليلة التي تعارض الاتفاقية تسأل «أين هي مصر الآن ؟». ما نراه «ديبلوماسية فاتن حمامة». «ها اننا نتعامل مع القضايا الكبرى برؤوس أصابعنا، أو بأطراف شفاهنا. رجب طيب اردوغان بات على حدودنا. مثلما حلم بالوصول الى دمشق يحلم بالوصول الى القاهرة».

 هؤلاء يعتبرون أن مصر بحاجة الى صوت يهز المنطقة «لا أن نكون وكلاء للغاز الاسرائيلي، ولا أن نكون عربة تجرها النوق. هذه بلاد صنعت توت عنخ أمون، ومحمد علي باشا، وجمال عبد الناصر. التاريخ يبدو وقد أقفل أبوابه. هل من منديل لأبي الهول كي يكفكف دموعه ؟».

كلام عن أن السلطة الحالية حققت الكثير من التوازن الاقتصادي. مصــر التي دفعت الكثير من الدم، كما من الوقـــت، للعرب معنية بأن تقدم الخبز لمائة مليون كائن بشــري يتكاثرون بايقاع ماراتوني.

المشكلة الآن تتعلق بمصير مصر. أي مصر من دون نهر النيل ؟ هيــرودوت قال انها هبة النيل. رجال الدين الذين حالوا، وعلى مدى ثلاثة قرون، دون الاتيان بالمطبعة على أنها من أعمال الشيطان، كانوا يقولون ان النيل ينبع من الجنة. المصريون يخشون، وسد النهضة يبدو كما الحيوان الخرافي الذي يبتلع البـحر، أن يسألوا ما اذا كان النيل بات ينبع من جهنم.

أثيوبيا لا تكترث للموقف المصري. وزير خارجيتها غيدو اندار غاشيو أكد أن بلاده ستباشر ملء السد بدءاً من شهر تموز. قال «الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذي يبنى به السد مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه».

أين الواقعية في التهديد بأن مصر ستدمر السد بطائرات الـ «سوخوي ـ 35» التي تسلّم سلاح الجو بعضاً منها؟ هؤلاء لا يعلمون أن الأميركيين والاسرائيليين وضعوا كل ثقلهم لتحويل أثيوبيا الى دولة مركزية ويتعدى دورها الجيوسياسي منطقة القرن الأفريقي...

ليست فقط ديبلوماسية فاتن حمامة. استراتيجية فاتن حمامة. المقاربة المخملية لقضية وجودية. القاهرة والخرطوم متباعدتان في المواقف، وفي المصالح. ثمة يد غليظة وتضع رؤوسنا، رؤوسنا جميعاً، في تلك السلة التي من دون قعر...!!