ماذا بعد مهلة المئة يوم للحكومة؟

التطورات والمواقف التي سجلت في الساعات الماضية تؤشر الى ان الاسبوع المقبل سيشهد مرحلة جديدة من العمل لمواجهة تداعيات الازمات المتلاحقة التي عصفت وتعصف بلبنان بسبب انهيار الوضعين الاقتصادي والمالي والتداعيات السلبية اللاحقة الناجمة عن كورونا.

وغداة اعلان رئيس الحكومة حسان دياب انجازات حكومته منذ ولادتها وحتى اليوم برزت امس مواقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري في كلمته بمناسبة عيدي المقاومة والتحرير والفطر، والتي تضمنت رسائل مهمة في كل الاتجاهات، ورسمت عناوين اساسية او خريطة طريق للمرحلة المقبلة.

والى جانب ذلك، برزت وتبرز ايضا معالم اعادة تصويب العلاقة بين الحكومة ومصرف لبنان على قاعدة التعاون وتوحيد الارقام والمواقف ليس في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي فحسب بل ايضا لمواجهة ومعالجة الاوضاع والمخاطر المحدقة بالامن الغذائي للبنانيين وتدهور سعر صرف الليرة بطريقة دراماتيكية تنذر بعواقب وخيمة على كل المستويات.

وتقول المعلومات ان تدهور الاوضاع والتصدعات التي برزت في الاسابيع والايام الماضية جعلت الرئيس بري يوسع نطاق كلمته بمناسبة عيد المقاومة والتحرير لتشمل كل الجوانب المتعلقة بالتطورات الراهنة لمخاطبة كل الاطراف موالاة ومعارضة وقبلهم الحكومة لتحمل مسؤولياتهم في هذه الظروف الدقيقة والصعبة.

واذا كان الرئيس بري سبق وحث الحكومة على العمل وتفعيل ادائها لمواجهة الاستحقاقات الداهمة اكثر من مرة، فانه في كلمته امس غمز من قناتها بوضوح وصراحة تفرضها مخاطر المرحلة، مشددا على انه «يجب على الحكومة والوزراء مغادرة محطة انتظار ما ستؤول اليها المفاوضات مع صندوق النقد، والبدء بالعمل المحسوس. على الحكومة ان تنطلق بعمل ميداني بعيدا عن الخطط الورقية، فالمطلوب اعمال اكثر من اقوال».

ورأى انه «آن الاوان للبنانيين والسياسيين وقف المزايدات لانها لا تؤدي الا الى ارباك النظام العام، ولوقف حفلات القاء التهم وتحميل المسوؤليات».

ودعا الى «اعادة انتاج الحياة السياسية انطلاقاً من قانون انتخابي خارج القيد الطائفي ويؤمن الشراكة للجميع على قاعدة النسبية ولبنان دائرة واحدة، وانشاء مجلس شيوخ يمثل الجميع تمهيداً للدولة المدنية».

كما دعا الى تحرير القضاء من اي تبعية، واطلاق سراح القوانين النائمة في ادراج الوزارات.

واكد على «ضرورة تحرير قطاع الكهرباء من عقلية المحاصصة المذهبية والفيدرالية بتعيين مجلس ادارة جديد وهيئة ناظمة، وعبر ادارة المناقصات».

وفي موضوع العلاقة مع سوريا اكد «ان سوريا قيادة وجيشاً وشعباً كانوا السباقين في دعم المقاومة، والعلاقة الاخوية والانفتاح عليها تمثل اكثر من حاجة ضروري».

وحذر بري من «اصوات النشاز التي بدأت تعلو في لبنان كحل للفدرالية»، وقال «لا الجوع ولا اي عنوان آخر سيجعلنا نستسلم للمشاريع الاسرائيلية، ووحدتنا هي قدرنا وسر قوتنا».

وبعيد كلمته استقبل بري رئيس الحكومة للمرة الثانية في اقل من اسبوعين، ودار الحديث حول عدد من القضايا والمواضيع المطروحة.

وقالت مصادر مطلعة ان البحث تطرق الى مشروع شبكة الامان بقيمة 1200 مليار ليرة الذي سيطرح مرة جديدة على جدول اعمال الجلسة التشريعية التي ستعقد يوم الخميس المقبل بعد ان تعذر اقرارها في الجلسة السابقة بسبب فرط النصاب لاشكالات واسباب تتعلق بطريقة احالة المشروع.

وتقول المعلومات ان الاسباب قد عولجت وانه من المنتظر اقرار هذا المشروع الذي تعوّل عليه الحكومة وتعتبره من المشاريع المهمة لمواجهة تداعيات ازمة كورونا والوضع الاقتصادي والمعيشي.

كما تناول البحث ايضا مسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ومشاريع عديدة مدرجة على جدول اعمال الجلسة التشريعية المقبلة تتعلق بالاصلاحات ومحاربة الفساد والسياسة النقدية.

وتضيف المعلومات ان هذا الاجتماع الذي جاء بعد كلمة الرئيس بري تطرق الى التوجهات في المرحلة المقبلة، لا سيما ما شدد عليه رئيس المجلس لجهة عدم حصر الاهتمام بالمفاوضات مع صندوق النقد وانتظار هذه المفاوضات، والمبادرة الى سلسلة خطوات اخرى تندرج في اطار وقف ومعالجة الانهيار الاقتصادي والنقدي.

وعلمت «الديار» في هذا المجال ان التوجه العام في الاسابيع القليلة المقبلة سيأخذ بعين الاعتبار الثغرات التي سجلت في الاشهر القليلة اكان على صعيد اداء الحكومة ام على صعيد تعاميم مصرف لبنان وسياسة المصارف.

وتقول المعلومات انه في ضوء الاجتماعين الاخيرين بين بري وحاكم مصرف لبنان ودياب والحاكم برزت اجواء اكثر مرونة في العلاقة بين الحكومة والمصرف المركزي تمثلت باعلان رئيس الحكومة في كلمته الاخيرة عن عزم المصرف بالتدخل لدعم الليرة وتلاه بيان من المصرف يؤكد ان البنك المركزي سيتخذ ابتداء من 27 الجاري اجراءات ضرورية لحماية الليرة اللبنانية ومن ضمنها تأمين الدولارات لاستيراد المواد الغذائية الاساسية تبعا لتعميم بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد التي ستعدّ لائحة بهذه المواد الغذائية.

وتضيف المعلومات ان المصرف المركزي لن يكتفي بدعم شراء المواد الغذائية الضرورية بل سيتدخل مباشرة لحماية الليرة في سوق العملات، الى جانب العمل الذي بدأه لانشاء المنصّة الالكترونية التي تسمح بربط العمل مع الطرفين وبضبط عمليات الطلب ومراقبة سعر الصرف والدولار.

ويقول مصدر مطلع لـ»الديار» انه اذا ما سارت الامور وفق هذا المسار المرسوم بعد اعادة تصويب الوضع او العلاقة بين الحكومة والمصرف المركزي فان الاجراءات المنتظرة تبعث على الاعتقاد بان التصاعد الدراماتيكي لسعر الدولار سيعرقل، وسينخفض هذا السعر بشكل ملحوظ وبنسبة لا تقل عن 15 بالمئة عن السعر المتداول في الوقت الراهن.

وربط المصدر ايضا نجاح هذه الاجراءات بمسار مكافحة العمليات غير الشرعية في سوق الصرف، خصوصا بعد وضع القضاء يده مؤخرا على هذا الموضوع والتحقيق وتوقيف عدد من المسؤولين في المصرف المركزي والصرافين.

وامس صادقت الهيئة الاتهامية على قرار قاضي التحقيق الاول في بيروت شربل ابو سمرا بتخلية سبيل مدير العمليات النقدية في مصرف لبنان مازن حمدان بكفالة قدرها 300 مليون ليرة، وتخلية سبيل مساعده وسام سويدان بكفالة قدرها مئة مليون ليرة، وقررت منعهما من السفر لمدة اربعة اشهر لاستكمال التحقيق. كما قرر قاضي التحقيق اخلاء سبيل نائب نقيب الصيارفة وثمانية من كبار الصيارفة في بيروت والشمال لقاء كفالات مالية تراوحت بين عشرة ملايين ومئة مليون ليرة.

واستأنفت النيابة العامة المالية القرار لدى الهيئة الاتهامية في بيروت.

من جهة اخرى ترأس الرئيس بري امس اجتماع مكتب المجلس وجرى اقرار جدول اعمال الجلسة التشريعية التي ستعقد يوم الخميس المقبل، والذي يتضمن مشاريع واقتراحات قوانين مهمة منها مشروع 1200 مليار ليرة لشبكة الامان، واقتراح استعادة الاموال المنهوبة، والسرية المصرفية وغيرها من القوانين الاصلاحية، ويشمل الجدول الذي يتضمن 34 مشروعاً واقتراح قانون الكابيتال كونترول الذي يركز على موضوع التحويلات الى الخارج بعد الاتفاق عليه بين كتلة التنمية والتحرير وتكتل لبنان القوي، كما سيشهد المجلس طرح قانون العفو العام والذي سوف يسبب من جديد جدلاً واسعاً.

وقد اعلن كل من رئيس التيار جبران باسيل والنائب ياسين جابر عن هذا الاتفاق وقال جابر في تغريدة له امس انه «بعد اشهر من توقف المصارف عن تحويل اموال المودعين، حتى لتغطية حاجاتهم الملحة، في حين كان المحظيون ينالون ما يريدون من تحويلات، توصلنا بالتعاون مع التيار الوطني الحرّ الى صيغة قانونية لتنظيم التحويلات الضرورية بشكل عادل، وتنهي الكابيتال كونترول القاسي الذي فرضته «المصارف على المودعين».

من ناحية اخرى قالت مصادر مطلعة لـ«الديار» ان موضوع الخلاف الذي ظهر جليا في الارقام بين الحكومة والمصارف والذي تجاوز المئة الف مليار ليرة لخسائر الدولة سيكون موضع معالجة بعد تشكيل لجنة نيابية لدرس والتدقيق في الارقام الواردة في خطة الحكومة والخيارات الواردة فيها.

في هذا الوقت تتواصل المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي في اجواء وصفتها مصادر وزير المال بانها جيدة وايجابية.

ويذكر ان حاكم مصرف لبنان شارك في المفاوضات الاخيرة شخصياً، وان هناك مناخا للتعاون والتنسيق بين وزارة المال ومصرف لبنان اكثر من المرحلة السابقة بعد تدخلات مباشرة من الرئيس بري.

وكان المتحدث باسم الصندوق جيري رايس قال في مؤتمرصحفي له ردا على سؤال يتعلق بلبنان بان موظفي الصندوق «يجتمعون مع السلطات اللبنانية في محاولة لفهم وجهات نظرهم وخططهم للمضي قدما بشكل افضل».

واضاف: «كما قلت في السابق، سنصف الخطة الاقتصادية للحكومة على انها نقطة بداية جيدة لهذه المناقشات»، مشيرا الى ان الخطة «تشخّص العديد من القضايا الاقتصادية التي تواجه لبنان وتقترح مجموعة شاملة من السياسات لمعالجتها».

مخاطر انفلات كورونا

على صعيد آخر، تتزايد المخاوف من انتشار وباء كورونا وتفلّت الاوضاع بعد تسجيل ارقام عالية من الاصابات خصوصا في اليومين الماضيين، ورصد حالات كثيرة في اكثر من بلدة وقرية لاسيما في مجدل عنجر التي سجل فيها 32 اصابة والتي اتخذت اجراءات مشددة بعزلها كما جرى سابقا بالنسبة لبشري التي استطاعت ان تتجاوز وتتمكن من تصفير الحالات فيها.

واعلنت وزارة الصحة امس عن تسجيل 62 اصابة بينهم 59 من المقيمين و3 من الوافدين ليبلغ عدد الحالات التي سجلت منذ بدء الفيروس في لبنان 1086 حالة.

وزار وزير الصحة امس بلدة مجدل عنجر واكد انه «اذا لم نكن على قدر عال من المسؤولية فلا شك ان موضوع كورونا سيكون كارثياً».

وقال «قد نذهب الى ما يسمى مناعة القطيع ولكن بشكل هادئ، وقد نذهب الى اقفال البلد بشكل كامل عندما يصبح عدد الاسّرة غيركاف». لكنه اضاف «ان فحوص المناعة التي تم اجراؤها لا تدل على تفشي او انتشار وباء كورونا، ولن نشهد موجة ثانية اذا تحلينا بالوعي والمسؤولية، ورقم الاصابات المسجل هو رقم صادم ويدق ناقوس الخطر».

والى جانب عزل مجدل عنجر في البقاع الغربي فقد اتخذت اجراءات مشددة في بلدتي بر الياس والمرج التي اعلنت بلديتها انه تبيّن وفق قوائم البلدية بان عدد المخالطين للشاب المصاب في البلدة ما يقارب الـ150 شخصاً، وبوشر اعتباراً من امس اخضاعهم لاجراء فحوصات الكورونا.

كما اعلنت بلدية مزبود في اقليم الخروب تسجيل 6 اصابات جديدة وتقرر حال الطوارئ العامة في البلدة وعزلها عن المحيط.

واصدر وزير الداخلية محمد فهمي امس تعميما الى المحافظين طلب فيه منع الاحتفالات والتجمعات الترفيهية والرياضية في عيد الفطر.

قائد الجيش في عيد المقاومة والتحرير

على صعيد آخر، اكد قائد الجيش العماد جوزف عون في امر اليوم الى العسكريين بمناسبة عيد المقاومة والتحرير ان «للانتصار على العدو الاسرائيلي وتحطيم هيبته ودحره عن القسم الاكبر من ارضنا لم يأت الا نتيجة لصمود شعبنا ومقاومته وتمسكه بحقه في التحرير الكامل لارضه»، واليوم في الذكرى العشرين للتحرير، اذ نؤكد مجددا حقنا في استكمال الانجاز واعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من قرية الغجر وجميع الاراضي المتحفظ عليها الى كنف الدولة، والتصدي لمخططات العدو الاسرائيلي وخروقاته المتمادية للسيادة الوطنية».