«أولئك الكهنة الذين يتبادلون القبلات بالسكاكين» !

ألا يبدو، للوهلة الأولى وربما للوهلة الثانية، أن فرانز كافكا، وبسوداويته الفذة، كان يصف نجوم المنظومة السياسية في لبنان ؟

نهاد المشنوق قال «ما خلق، وما بيخلق، اللي بدو يحاكم رفيق الحريري». نصحنا بألاّ نضيع وقتنا. «لاشيء اسمه بهاء الحريري في السياسة، ولا أحد يستطيع أن ينزل علينا بالبراشوت». لكأن سعد الحريري، ومن هو أكبر من سعد الحريري، لم ينزل علينا، أيضاً، من المدخنة...

في كل الأحوال، نأمل من الشيخ سعد، وبالرغم من كل المرارات التي يختزنها حيال الذين، من أهل البيت، دأبوا على تعريته سياسياً ومالياً، أن يعيد الأستاذ نهاد، بشاربي عنترة بن شداد، وبأظافر ميريام كلينك، الى البطانة. على الأقل من أجل ترتيب حاجبيه، وقد رأينا، ورأى آخرون، ذلك بالعين المجردة.

المشنوق الخائف من الظل كونه الموت الآخر، على حق. ما خلق، ولن يخلق اللي بدو يحاكم أياً من ملوك الطوائف، حتى ولو حوّلوا الدولة الى مغارة. حتى ولو حوّلوا الدولة الى. .. مقبرة.

باستــطاعتكم أن تحاكموا الله، والكثيرون منا يحاكمونه كل يوم. اما الآلهة (أو أنصاف الآلهة) فلا مجال البتة لكي يقفوا تحت قوس المحكمة، مهما فعلوا. تذكروا جلسة المجلس النيابي، وكيف تمكّن فؤاد السنيورة، بالتعاون مع أهل الحل والربط من تحويل جزء كبير (وقاتل) من الديــن بالليرة الى الدولار. متى تعلق المشانق ؟!

في ثقافة المافيا، النار على كل من ينظر في عيني العراب. هنا الميتولوجيا اللبنانية. لكل طائفة، لكل قبيلة، اله فوق القانون، وفوق الدولة، وحتى. .. فوق الانجيل والقرآن.

وزير سابق نقل عن السفيرة الأميركية دورثي شيا تساؤلها ما اذا كان القول الشائع في بلادها (Dead man walking أي. .. رجل ميت يمشي) ينطبق على لبنان. بالرغم من ذلك نحتار ما اذا كنا في برج بابل أو في عصفورية. ولكن ما خلق، ولن يخلق، من يحاول المس بشعرة في رأس، أو في لحية، أي من تلك الأوثان.

لاضمـير، لا منطق، لدى المجتمع السياسي عندنا. احدهم ينــقل عن رئيس دولة عربية كبرى قوله «لا أتصور أنه سيــكون هناك رئيــس للبنان لدى انتهاء ولاية الرئيس ميشــال عون». المنطقة أمام احتمالات هائلة. لبنان بطبيعة الحال. هل حقاً أن أحد الكرادلة اقترح اقامة سلطة تماثل، بصورة أو بأخرى عهد المتصرفية؟

ممّ يشكو داود باشا، وأوهانس باشا، وواصا باشا الذي تمكن من الدخول الى أقاصي الحالة اللبنانية حين لاحظ أن ثلاثة أخطار تهدد لبنان. الطائفية والماعز والسياسة لأنها تأكل الأخضر واليابس.

كل الامتنان لذلك الكاتب، والشاعر، الألباني الذي جعلنا نصحح نظرتنا الى المشهد اللبناني. لطالما وصفنا أنفسنا، كرعايا، بالماعز. هذا ما يحصل أمام صناديق الاقتراع، وعلى أبواب، أو سراويل، أولياء الأمر.

واصـا باشـا، أو ياشـكو فـازا، قال لنا لسـتم أنتم الماعز بل الذين فوقكم لأنهم أكلوا، ويأكلون، الأخضر واليابس. ..

كل تلك الجلبة انعكاس ببغائي للصراع حول القصر. أحدهم الذي يتكلم بلهجة الصقر، الآخر الذي يتكلم بلهجة الخـفاش. هؤلاء يفترض أن يأخذوا علماً بأن لبنان يقترب من خط الزلازل. لا رئيس للجمهورية عام 2022. ليقرأ من يعنيهم الأمر قول محيي الدين بن عربي «الرئاسة حلوة الرضاعة مرّة الفطام».

رهان لاهث على محادثات خلاقة مع صندوق النقد الدولي. ولكــن ألا يقول خبراء الصندوق أنهم يستشعرون ســقوط الــشرق الأوسط في المتاهة، ولا بد أن تكون لذلك تداعياته الدراماتيكــية على الحلبة اللبنانية ؟

ولأن المطابخ الكبرى كثيرة، ولأن الطباخين الصغار لا يعلمون الى أين يمضي هذا الشراع الذي بمائة سارية، خذوا علماً بأن من يتراشقون بالحجارة من فوق رؤوسنا، اذا ما بقيت لنا رؤوس، لن يصلوا الى القصر، سواء كانوا على ظهر الدبابة أم على ظهر السلحفاة !!