دخلت مرحلة المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي مرحلة «الجد» و«حك الركاب» هذا الاسبوع، حيث من المتوقع ان يعقد اجتماع اليوم في القصر الجمهوري للاعلان عن الارقام الموحدة للخسائر التي تعرض لها لبنان وخصوصاً خسائر مصرف لبنان بعد ان ظهر التباين واضحاً بين مصرف لبنان ووزارة المالية خلال الاجتماعات السابقة التي عقدت بين لبنان وصندوق النقد الدولي مما اثّر على سير المفاوضات وادخل المفاوضين في حيرة في كيفية العلاج في ظل الارقام المتناقضة.

وكان قد عقد اجتماع في القصر الجمهوري الاسبوع الماضي برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحضور رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء المعنيين وحاكم مصرف لبنان خصص  للبحث في مسار المفاوضات مع الصندوق والاتفاق على الزامية توحيد الارقام وفقاً لمقاربة واحدة يتم الارتكاز عليها خلال المفاوضات انطلاقاً من خطة التعافي التي اقرتها الحكومة.

وقد اتى هذا الاجتماع على ضوء الارقام المغايرة بين فريق وزارة المالية وفريق مصرف لبنان ودخل على خطها صندوق النقد الدولي الذي اكد وجود خسائر في مصرف لبنان اكثر من الارقام التي ذكرها وضرورة ان تتوحد للانطلاق الى المرحلة الثانية وهي مهمة ايضاً في موضوع الاصلاحات وضرورة المباشرة في تطبيقها كي تلقى قبولاً فمن صندوق النقد الدولي ومن المجتمع الدولي الذي يضع شروط تطبيق هذه الاصلاحات كي يسير في عملية النهوض الاقتصادي للبنان.

وتعتبر مصادر مالية مطلعة ان التباطؤ في المفاوضات لا يعكس رغبة الحكومة اللبنانية في التعجيل بتأمين المساعدة المادية تمهيداً للاسراع في اعادة العجلة الاقتصادية الى الدوران ولا يعكس بالتالي رغبة وفد الصندوق الى البقاء في لبنان متحلياً «بطيب الاقامة» بل يهمه الاتفاق على خطة اقتصادية انطلاقاً من خطة التعافي التي اقرتها الحكومة، ولا يعكس رغبة المواطنين الذين صار اغلبهم على «الارض» وخط الفقر تجاوز الـ60 في المئة رغم ان بعض المفاوضين يعلن ان مسيرة المفاوضات طويلة وشاقة «كأن لبنان والمواطن فيه» بامكانهم الانتظار اكثر وان الاوضاع الحالية بامكانها الانتظار لولادة هذه المساعدة التي يعوّل عليها لبنان رغم انها لا تشكل «نقطة في بحر» الخسائر التي يتم الحديث عنها ويتم ذكر ارقام كبيرة لعل اهمها ما ذكرته خطة التعافي و83 مليار دولار اميركي.

وينطلق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من ان الخسائر التي تتحدث فيها الحكومة عن خسائره يمكنه ان يحوّلها الى ارباح خصوصاً وانه ما زال يملك حوالى الـ20 الف مليار دولار كاحتياطيات بالعملة الاجنبية ويملك حوالى 47 الف مليار ليرة لبنانية من الذهب على سعر 3500 ليرة للدولار الواحد اضافة الى محفظة واسعة من العقارات والمؤسسات اهمها شركة طيران الشرق الاوسط، الخطوط الجوية اللبنانية وكازينو لبنان..

ويعتبر سلامة ان الخسائر العامة التي بلغت 83 مليار دولار نتيجة تراكم عجز الحساب الجاري وعجز الموازنة على مدى السنوات الخمس الماضية مما انعكس على سعر الصرف الوطني خصوصا ان اداء الدولة افتقر الى الشفافية ولم يكن هناك ما يبرر بعض حالات العجز خاصة عندما رفعت اجور القطاع العام، مذكرا ان رأس مال البنك المركزي لا يزال ايجابيا، نحن قادرون على اجراء التعديلات المحاسبة المطلوبة للتفاوض مع الدائنين والشروع في الاصلاحات دون اللجوء الى المصارف او الدولة شرط ان تسدد الاخيرة ديونها لنا.

وقد دخل رئيس لجنة المال النيابية النائب ابراهيم كنعان «الاطفأجي» على خط الارقام الموحدة الذي حاول هذه الايام الماضية توحيد طريقة تقييم الخسائر ومقاربتها بين الحكومة والمصرف المركزي ومحاولة «ردم الهوة» التي سيتبين مدى ملاءمتها في الاجتماع الذي سيعقد اليوم في القصر الجمهوري وامكانية الخروج بارقام موحدة.

جمعية المصارف التي قدمت خطتها الانقاذية ولم يعرف حتى الان كيفية تسويقها ويتوقع ان يشرح رئيسها  الدكتور سليم صفير الاربعاء المقبل مقاربة الجمعية للحلول الناجعة خصوصاً ان الجمعية انتقدت خطة التعافي مطالبة بان تتخلى الحكومة عن خيارها الخطير باضافة التعثر الداخلي المؤذي الى التعثر الخارجي لانه لا يمكن تحقيق الاستقرار المالي ولا النمو الاقتصادي في دولة تقرر اسقاط ديونها من جانب واحد وتصادر الممتلكات بشكل غير قانوني وتتدخل في العقود الخاصة مشددة على الدور الرئيسي الذي تلعبه السلطات النقدية والرقابية في لبنان لجهة اعادة هيكلة القطاع المالي اللبناني واعادة هيكلة وجدولة الدين العام، لذلك رأت الجمعية كخطوة اولى ضرورة تسوية ديون الحكومة لمصرف لبنان بشكل عادل وانشاء صندوق حكومي لتخفيف الديون ومساهمة الحكومة من خلال الاصول او الممتلكات العامة بقيمة 40 مليار دولار في الصندوق مقابل الحصول على 100 في المئة من اسهم الصندوق اي كامل الملكية.

من هنا تعي الحكومة اللبنانية اهمية دور البنك المركزي واهمية وجود حاكمه في هذه المفاوضات مع صندوق النقد الدولي واهمية الارقام التي باتت حاجة لبنانية ودولية للدخول الى عمق الخطة والمباشرة في تطبيقها، وتعي في الوقت نفسه انها في سباق مع الوقت، ومن هنا ضرورة الاسراع في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي التي تعول عليها كثيرا لانها المدخل الى بدء الحلحلة الاقتصادية التي تؤدي الى الانفتاح على المجتمع الدولي الذي اضطر اكثر من مرة الى الاعلان عن نيته المساعدة شرط تطبيق الاصلاحات التي لا مفر منها.

وعلى ضوء ذلك، يعلق اهمية على الاجتماع الذي سيعقد اليوم خصوصا اذا تم الاتفاق على توحيد ارقام الخسائر الذي يعتبر مقدمة للدخول الى عمق المفاوضات والبدء بتجديد نوعية المساعدة والشروط المطلوبة لهذه المساعدة وان كان البعض يؤكد ان البند الاول لهذه الاصلاحات سيكون موضوع الكهرباء وترشيق القطاع العام.