كما فعل رئيس الحكومة حسان دياب بالغاء مواعيده يوم الجمعة الماضي للانصراف الى معالجة تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية، كذلك ألغى رئيس واعضاء مجلس ادارة جمعية المصارف مواعيدهم لينصرفوا الى مواكبة التطورات النقدية والمالية، لكنهم فوجئوا بالدعوة التي وجهت اليهم لزيارة السراي والمشاركة في جلسة مجلس الوزراء التي كانت منعقدة والتي رفضوها في بادىء الامر لانهم «اكتووا» بنار هذه الحكومة كما ان اعضاء جمعية المصارف كانوا قد طلبوا موعداً مع رئىس الحكومة لعرض عليه خطة المصارف واقتراحاتها في مواجهة الازمة الاقتصادية الحالية التي يشهدها لبنان ولا سيما قطاعه المصرفي، لكنهم لم يتبلغوا بأي موعد معه حتى الآن حيث فسروا ذلك بانه استمرار لسياسة التجاهل تجاه القطاع المصرفي وسياسة تحميله الخسائر التي ليست موحدة حتى الآن.

وقد كان هناك ميل الى عدم الموافقة في الذهاب الى السراي، لكن ما يتعرض له البلد من هجوم نقدي وتحميل المصارف جزء من المسؤولية عما يتعرض له سعر صرف الليرة، وتدخل مدير عام الامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي يحظى باحترام القطاع المصرفي، فقد قرر هؤلاء المشاركة في ايجاد الحلول للصعود الكبير للدولار في لبنان.

مصادر مصرفية ذكرت ان تشكيل خلية أزمة برئاسة وزير المالية تكون مهمتها متابعة تطورات الوضعين المالي والنقدي وتضم رئىس جمعية مصارف لبنان سليم صفير الذي قد يكون مقدمة لاعادة التواصل الحكومي ـ المصرفي بعد انقطاع وهجوم غير مسبوق من قبل رئيس الجمعية صفير وبعض اعضاء مجلس الادارة نديم القطار ووليد روفايل وخصوصاً تنال الصباح في اللقاء الصحافي الذي عقدوه مع الاعلاميين مما يعني ان الجمعية غيّرت استراتيجيتها وتحولت من الدفاع الى الهجوم بعد ان شعرت ان صمتها يدينها وان خطة الحكومة تحمّلها مسؤولية الخسائر الى جانب مصرف لبنان والمودعين وانها تتعرض لشطب حتى رأسمالها في القطاع.

صحيح ان ديبلوماسية القصار وروفايل كانت طاغية على حديثهما امام الاعلاميين وان رئىس الجمعية صفير كان كلامه قليلاً وقصيراً لكنه كان معبراً خصوصاً عندما وصف الحالة الحكومية المصرفية بأن فريقاً من المستشارين، العاطلين عن العمل، يتولى التخطيط لافلاس القطاع المصرفي والبلد، لكن الصباح كان الاكثر عنفاً في كلامه ولم يلبس القفازات خصوصاً عندما اعتبر ان بعضهم اراد «شيطنة» المصارف بينما كان المفروض التصويب نحو السياسيين الذين يجب تحميلهم هذه الخسائر.

صفير تحدث عن خطة الحكومة التي اعتبرها خطة محاسبية وليس اقتصادية وقدم خطة بديلة تهدف الى تفادي التوقف عن الدفع للدائنين المحليين ما يعيد الثقة الى السوق سريعاً وينعش الاقتصاد واقتراح تسديد الدولة دينها لمصرف لبنان عن طريق تأسيس صندوق مملوك من الدولة نفسها وتوضع فيه ممتلكات المصالح والشركات والعقارات ومن مدخول تلك الممتلكات يتم تسديد دين مصرف لبنان عن طريق سند طويل الاجل بقيمة 40 مليار دولار وبفائد متدنية، حتى انه طالب اي صفير بمعاودة المفاوضات بين المصارف والحكومة لجدولة الديون الداخلية وبفائدة متدنية، وتتحمل المصارف اي خسائر محتملة في محفظة الدين على القطاع الخاص.

لكن الصباح سارع الى القول: عندما تقرر الدولة عدم سداد ديونها، وفي اليوم التالي تعلن ان المصارف مفلسة، نشكر الله انه لا يزال هناك مصارف في لبنان، وهذه المواقف كانت السبب الاول لارتفاع سعر صرف الدولار، وانه طالما ليس هناك استقرار سياسي فلن يكون هناك استقرار نقدي.

وككلامه الصريح عاود صفير الى التحذير من السياسة التي تتعاطى بها الدولة مع القطاع المصرفي، «كرسحت» عملية خلق الاموال التي توفرها المصارف، واصبحت الوضعية حاليا برسم التصفية، فلو سنحت الحكومة للمصارف ان تكمل دورها وتشتري الدولار بشكل طبيعي وكما يجب، لما كانت العجلة الاقتصادية توقفت ولم يكن القطاع الخاص قد عانى من الجمود.

اذا كان المصرفيون قد تحدثوا عن وجود مستشارين عاطلين عن العمل يمهدون لافلاس القطاع والبلد، الا انهم لم يذكروا اسماء هؤلاء المستشارين وان كانوا معروفين لديهم خصوصا ان المصرفيين ذكروا انهم يتواجدون في السراي فمن هم هؤلاء المستشارون؟

على اية حال، فأزمة الدولار ارخت بثقلها على المجتمعين في السراي وبعبدا، وقد يكون هذا الهجوم المصرفي الكبير الاول والاخير، بعد ان استمعت السراي الى ممثلي القطاع المصرفي وتم الاتفاق على المشاركة في خلية الازمة النقدية، ليس هذا فحسب، بل ان بعبدا ذهبت ابعد من ذلك عندما وزعت الخسائر على الدولة ومصرف لبنان والمصارف بينما كانت في السابق تريد تحميلها للمصارف ومصرف لبنان وهذا تطور ايجابي يأتي لمصلحة المصارف خصوصاً عندما يأتي من اكبر مرجعية في الدولة وهو رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عندما يقول: مسؤولية ما حصل مالياً تتحملها جهات ثلاث: الحكومة مصرف لبنان والمصارف وعليه فان الخسائر يجب ان تتوزع على هذه الجهات وليس على المودعين.

لا بد من مراجعة بعد التطورات التي حصلت يوم الجمعة الماضي والمكاسب التي حققها القطاع المصرفي اولاً باعادة الاعتبار اليه والاستماع الى وجهة نظره في المسائل النقدية والمصرفية وثانياً في المشاركة في خلية الازمة لمتابعة التطورات المالية والنقدية وثالثاً تأكيد رئيس الجهمورية على توزيع الخسائر بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف بعد ان كانت محصورة هذه الخسائر بمصرف لبنان والمصارف والمودعين، ورابعاً تحسين المصارف بخطورة الازمة النقدية.

وبانتظار هذه المراجعة يبقى وضع الدولار وما يمكن ان تفعل به التدابير التي اتخذتها اجتماعات السراي وبعبدا لان العبرة في التنفيذ خصوصاً ان هذه التدابير قد اتخذت سابقا ولم يتم التقيد بها من ضخ الدولار وملاحقة صرافي السوق السوداء ومنع التهريب والتلاعب، فهل تكون المقررات مقدمة لاعادة الدولار الى «رشده» بعد ان حلق وتجاوز كل السقوف.

ان يوم الاثنين لناظره قريب، ولكن الخوف كل الخوف من استنزاف احتياطي مصرف لبنان ودخول لبنان في المجهول، وعدم تطبيق اي اصلاحات يطالب بها المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي.